البعد الإنساني مفقود في سباق شركات التكنولوجيا على الريادة

مايكروسوفت وغوغل وأمازون توحد جهودها لمواجهة المجاعات في العالم عبر بيانات مستخدميها.
الاثنين 2018/11/19
التقدم التكنولوجي غائب في حضرة الفقر

تبدو شركات التكنولوجيا العملاقة ظاهريا غير أخلاقية، حينما يكون هدفها الوحيد تحقيق أرباح ضخمة، لكنّ مسيّريها “كيانات واعية” لها أفكارها ونواياها ومشاعرها، وهذا الجانب الواعي من المفروض أن يجعل عمليات الشركات التجارية تُفسّر في إطار القاعدة الأخلاقية التي يجب أن تراعي العمل الإنساني قبل أي اعتبارات أخرى.

وفر التطور الناتج عن الثورة الرقمية فرصا عظيمة للعديد من الدول، إلا أن الفقر الطاحن والتشرد مازالا أيضا ظاهرة ملفت للانتباه في الكثير من المدن حول العالم.

وتبدو جهود المجتمع الدولي وحدها غير كافية لمجابهة هذه الظاهرة بشكل أكثر نجاعة، في ظل غياب الدعم المالي من شركات الذكاء الاصطناعي.

ويمثل الذكاء الاصطناعي نوعا من التقدم التكنولوجي الذي لن يظهر تأثيره ولن يشعر به الملايين من الفقراء في المدن التي تعاني من تزايد مطرد في عدد السكان، ومن أزمات اقتصادية طاحنة، ومعدلات نمو لا تتجاوز في بعض الأحيان الصفر، ما قد يؤدي بدوره إلى انهيار في القدرة الشرائية وغلاء المعيشة وارتفاع نسب الفقر والبطالة.

وفي ظل استمرار إيجارات المساكن في الارتفاع، تتجه الأزمة نحو الأسوأ، وقد تطال تداعياتها الطبقة الوسطى في المجتمع، وينتهي الأمر بالعديد من الناس إلى اتخاذ الفضاءات العمومية مقرا للسكن أو افتراش الشوارع.

ومع تخلي البعض من الحكومات عن دورها الاقتصادي والاجتماعي لتطويق هذه الظاهرة المستشرية والحد من مسبباتها، واحتضان المشردين الذين يعانون من ظروف اجتماعية قاسية، وتمكينهم من الأمن الاجتماعي وظروف الحياة الكريمة، فإن الوضع سيتفاقم وتتفشى الجريمة والأوبئة والأمراض ويختل الأمن والاستقرار وتهدد سلامة المجتمعات.

وإذا كانت التكنولوجيا الرقمية حقيقة غير قابلة للزوال من حياة الناس، فإن مساهمة الشركات الكبرى وخاصة الرائدة في مجال التكنولوجيا، في تنمية المجتمعات مازالت دون المأمول، خاصة بالنسبة للشركات التي تربّعت مؤخرا على عرش أسواق المال العالمية، ولكنها رغم ذلك لا تساهم بدور مهم في خدمة القضايا ذات البعد الإنساني والأخلاقي.

ففي عصر الاقتصاد الرقمي ومجتمع المعلومات الذي سيطرت فيه الشبكات العنكبوتية والأجهزة الإلكترونية والهواتف الذكية على جميع المجالات، باتت شركات التكنولوجيا تتصدر القائمة من حيث الأرباح وقيمة الأسهم، إذ بلغت القيمة السوقية لأكبر أربع شركات تكنولوجية في العالم ما يعادل 3.574 تريليون دولار.

وهذا الرقم يظهر إلى أي مدى أصبحت شركات التكنولوجيا مسيطرة على سوق الأسهم في العالم.

ووصلت القيمة السوقية لشركة أبل إلى مستوى غير مسبوق، فاق توقعات الخبراء وتجاوز حاجز التريليون دولار.

وتعمل الشركة على تصميم وتصنيع الإلكترونيات الاستهلاكية على غرار منتجات أجهزة الكمبيوتر “ماكينتوش” والأجهزة المحمولة آيفون وآيبود، والأجهزة الذكية القابلة للارتداء، ومنتجات برامج الكمبيوتر، ويواصل هاتف آيفون توليد غالبية عائداتها.

الشركات الكبرى وخاصة الرائدة في مجال التكنولوجيا مساهمتها في تنمية المجتمعات مازالت دون المأمول

ومنذ تولي تيم كوك منصب الرئيس التنفيذي للشركة في عام 2011، أظهر اختلافا عن سلفه ستيف جوبز من حيث التبرعات الخيرية، فهو يمنح الموظفين تخفيضات كبيرة على منتجات أبل، ووضع برنامجا خيريا للتبرعات على مستوى الشركة.

وانضم كوك إلى قادة عمالقة التكنولوجيا بتعهده بالتبرع بثرواته للجمعيات الخيرية، معللا إقدامه على هذه الخطوة بأنه يريد أن يكون الحجر الذي يلقى في ماء البحيرة ليخلق موجات من أجل التغيير.

واحتلت شركة أمازون المركز الثاني عالميا من حيث القيمة السوقية بـ894.96 مليار دولار، وهي موقع للتجارة الإلكترونية والحوسبة السحابية.

وقرر جيف بيزوس، الرئيس التنفيذي للشركة وأغنى رجل في العالم والذي تقدر ثروته بـ164 مليار دولار، التبرّع بمبلغ ملياري دولار لصندوق خيري أسسه بهدف مساعدة المشردين وإنشاء شبكة جديدة من المدارس في مجتمعات محدودة الدخل، ودعم أبحاث السرطان والمنح الدراسية للمهاجرين.

وجاءت شركة الفابايت التي تأسست سنة 2005 لتكون الشركة الأم لغوغل لخدمات الإنترنت في المرتبة الثالثة بقيمة سوقية تقدر بـ852.90 مليار دولار.

وتبرعت الشركة بمبلغ 255 مليون دولار نقدا للجمعيات الخيرية في سنة 2017 وهو ما يمثل 0.9 بالمئة من أرباحها قبل الضريبة، وأعلنت الشركة أنها تخطط لتقديم مليار دولار من المنح، والمساهمة بمليون ساعة تطوعية على مدى خمس سنوات.

أما شركة مايكروسوفت التي تعمل في مجال تقنيات الكمبيوتر واحتلت المرتبة الرابعة، فقد بلغت قيمتها السوقية 826.05 مليار دولار.

وفي سنة 2017، منحت الشركة 169 مليون دولار أميركي للجمعيات الخيرية، ما يعادل 0.7 بالمئة من أرباحها قبل الضريبة، كما تبرعت بأكثر من 1.4 مليار دولار في شكل منح نقدية وتكنولوجيا.

وتبرع رئيس الشركة بيل غيتس وزوجته ميليندا منذ سنة 1994 بنحو 35 مليار دولار بشكل نقدي أو على شكل أسهم لعدة منظمات خيرية.

ومنحت غالبية التبرعات إلى المؤسسة الخيرية “بيل وميلندا غيتس” المعنية بمواجهة الفقر والأمراض المعدية فضلا عن إتاحة الوصول لأجهزة الكمبيوتر في جميع أنحاء العالم.

شركة فيسبوك التي تعد من أشهر منصات التواصل الاجتماعي، احتلت المرتبة الخامسة بـ495.42 مليار دولار لقيمتها السوقية.

واحتلت شركة فيسبوك التي تعد من أشهر منصات التواصل الاجتماعي، المرتبة الخامسة بـ495.42 مليار دولار لقيمتها السوقية.

وتصدر مؤسسها مارك زوكيربرغ وزوجته بريسيلا تشان قائمة المتبرعين للأعمال الخيرية لسنة 2013، وتبرع الزوجان بأسهم من الشركة تصل قيمتها إلى نحو 970 مليون دولار إلى مؤسسة “مجتمع وادي السيليكون”، ويجري توزيع جانب كبير من أموال التبرع على قطاعي الصحة والتعليم.

ووصلت التبرعات إلى الأعمال الخيرية من قبل شركات التكنولوجيا في سنة 2017 إلى أعلى مستوى لها في الولايات المتحدة مع ما يقارب 410 مليار دولار من الاستثمارات.

وأعلنت شركات مايكروسوفت وغوغل وأمازون توحيد جهودها مع المنظمات الدولية من أجل مواجهة المجاعات في العالم عبر استخدام البيانات المتاحة واتخاذ الإجراءات الاستباقية للحيلولة دون تفاقم الوضع الإنساني.

واحتدم الجدل مؤخرا بمدينة سان فرانسيسكو بكاليفورنيا بين شركات التكنولوجيا حول مقترح “سي” الذي يقضي بفرض ضريبة على الشركات التي تزيد إيراداتها عن 50 مليون دولار بمتوسط 0.5 بالمئة سنويا، ما يفضي إلى عائدات تتراوح بين 250 و300 مليون دولار لمساعدة الآلاف من المشرّدين. 

ومن بين المؤيدين للمقترح بشدة، الرئيس التنفيذي لشركة “سيلز فورس” مارك بينيوف، معتبرا إياه مسؤولية أخلاقية تقع على عاتق شركات التكنولوجيا. في حين عارض الرئيس التنفيذي لشركة تويتر جاك دروسي المقترح تاركا المسؤولية لرئيسة بلدية لندن بريد.

وتعاني المدينة من ظاهرة التشرد والقمامة في الشوارع بشكل مشابه للأحياء الفقيرة في البلدان النامية، ويتركز المشردون في حي تندرلوين، ويعانون تدهورا كبيرا في صحتهم الجسدية والنفسية.

وما يثير الاستغراب، وجود ما يقارب 7 آلاف مشرد ومتسول في مدينة تضم نحو ثلث الاستثمارات في الولايات المتحدة، وشركات مثل تويتر و”إيربي.أن.بي” و”أوبر تكنولوجيز”. وقد تم التصويت على المقترح “سي” من قبل ناخبي المدينة بنسبة تأييد بلغت 60 بالمئة.

وتعد تلك المبادرة النبيلة خطوة إيجابية نحو تجسيد روح المسؤولية الأخلاقية والالتزام تجاه الآخرين ومعاناتهم وحقهم في الحياة الكريمة.

وأمام هذا السباق المحموم لشركات التكنولوجيا على الريادة في الذكاء الاصطناعي، هل من لفتة إنسانية أكثر سخاء تتيح للمجتمعات الفقيرة بناء الحلقات المفقودة في البنية التحتية وتشعر الفئات الهشة بطعم الحياة، وليكن ذلك ردا للجميل من قبل أصحاب الشركات للمجتمعات التي منها ينحدرون.

12