البعد الثقافي لحادثة شارلي إيبدو

الأربعاء 2015/01/14
ظاهرة تستدعي النظر إلى النتائج الوخيمة للازدواجية المتطرفة لتناقضات وعنصرية الواقع الاجتماعي

في إحدى المرات سأل الصحافيون البريطانيون المهاتما غاندي أثناء زيارته لبلادهم، وذلك في الوقت الذي كانت فيه الهند مستعمرة بريطانية، عن رأيه في ديمقراطية بريطانيا، فأجابهم بلهجة ذكية وساخرة قائلا: ” إنها فكرة جميلة”، وكان غاندي يعني أن الديمقراطية لا توجد حيث تسود علاقات الاستعمار وإفرازاته المشكّلة لعلاقات مرحلة ما بعد الاستعمار، في هذا السياق بالذات يمكن القول بأن الهجوم المسلح الذي نفذه الشقيقان كواشي جزائريا الأصل، وفرنسيا الجنسية والتربية والإقامة، ضد صحيفة شارلي إيبدو التي أمعنت في نشر صور كاريكاتورية استفزازية ومعادية للنبي محمد، وأسفر عن 12 قتيلا، هو تعبير صارخ عن تناقضات المجتمع الفرنسي المعاصر، الذي يعيد الآن إنتاج ظاهرة معاداة الأجانب التاريخية حتى وإن كانوا يحملون الجنسية الفرنسية بحق الولادة الشرعية.

وفي الواقع فإن تاريخ الثقافة الفرنسية يقدم لنا نماذج كثيرة حافلة بمعاداة العرب والمسلمين والإسلام بالذات في العصور القديمة، منها ميراث ذاكرة معركة بواتيي التي تستنسخ دائما وتعبئ ذهنيات أجيال الفرنسيين والفرنسيات ضد العرب والمسلمين.

فضلا عن سموم شلة المستشرقين الفرنسيين المرتبطين بالاستعمار، الذين ساهـموا في تكوين ثقـافة الأجيال الفرنسية.

مثلا فإن أحد الفلاسفة الفرنسيين الذي تعتبره فرنسا والغرب بصفة عامة من مفكري التنوير في إرثها الفكري والثقافي، يعد من بين أقطاب المعادين للإسلام وللنبي محمد، الذي وصفه في كتابه ” أفكار ” بأوصاف مشينة، وهو الكتاب المقرر رسميا في المنظومة التعليمية الفرنسية، والذي ساهم ولا يزال يساهم سلبيا في تكوين البنية النفسية والثقافية الفرنسية المعادية للمسلمين.

إن هذا الإرث الثقيل هو الذي أنتج التيارات السياسية والاجتماعية والثقافية العنصريــة في المجتمـع الفرنســي المعاصر.

إلى جانب هذا ينبغي التوضيح أن الجزء الأساسي من ظاهرة المهاجرين المقيمين والمولودين في فرنسا الآن، هو نتيجة للاستعمار الفرنسي بشكل أساسي، ولطقوس الرأسمالية الأوروبية/الغربية التي تستغل الأيدي العاملة الأجنبية استغلالا فاحشا.

بناء على ما تقدم فإن قضية الهجوم المسلح على صحيفة شارلي إيبدو لا تنفصل إطلاقا عن هذا التراث الفرنسي.

كما أن هذه الحادثة المؤلمة هي حادثة فرنسية داخلية، ونتاج لعدم تطبيق فرنسا لمبادئ الديمقراطية دون تمييز إثني أو لغوي أو ثقافي أو عرقي، وإنها ظاهرة تستدعي النظر إلى النتائج الوخيمة للازدواجية المتطرفة لتناقضات وعنصرية الواقع الاجتماعي والثقافي والأخلاقي في هذا البلد، الذي لم ينصف جزءا مهما من تركيبته البشرية، وفي المقــدمة أفراد الجالية العربية الإسلامية الذين يعدون بالملايين.

لاشك أن المجتمع المقسوم إلى مهاجرين متعددي الإثنيات والأعراق ومهمشين ومنبوذين ومسلوبي المواطنة من جهة، وإلى سكان اصليين ينعمون في النعيم من جهة أخرى، هو مجتمع غير ديمقراطي تنتفي فيه أبجديات العدالة، ويسوده العنف المادي والرمزي، وهو أيضا مسرح مفتوح مرشح دائما للأحداث الدموية والتمزقات النفسية.

15