البعد الخارجي في علاقات "البشير" ومعارضيه

الاثنين 2016/01/18

في دول عربية كثيرة، كان البعد الخارجي عنصرا مؤثرا في علاقات الأنظمة الحاكمة ومعارضيها، وكانت الكفة تميل غالبا إلى جانب دعم الفريق الأخير، والتعاطف مع طروحاته، خاصة عندما تبدو سياسات النظام المستهدف متصادمة مع توجهات قطاع كبير من الدول الغربية.

وقد ظهرت تجليات هذه المعادلة في العلاقة بين النظام السوداني وقوى المعارضة المتباينة، حيث بدت الثانية مدعومة من دول عدة، وحظيت برعاية في أوقات مختلفة، وتبلورت الحصيلة الأشد وضوحا عند تمهيد الطريق للانفصال والإعلان عن دولة جنوب السودان، بموجب الدعم الخارجي الذي حصلت عليه المعارضة الجنوبية.

لكن الضغوط الخارجية، الغربية تحديدا، لم تتجاوز عمليا حدود دعم انفصال جنوب السودان، وكأن مهمتها أو علاقتها بالمعارضة السودانية، كانت قاصرة على هذه المسألة وإنجازها فقط.

مع أن قوى المعارضة الشمالية تتمتع بشبكة جيدة من العلاقات الخارجية، غير أنها لم تحظ بالقدر نفسه من الدعم السياسي الذي يتواكب معها، بل كانت دول كثيرة في المحيط الجغرافي القريب وخارجه أقرب لنظام الرئيس عمر البشير منها، أو في أحسن الأحوال تفضل دور الوسيط المحايد، وهو ما عكسته المحاولات المختلفة للوساطة بين الخرطوم والمعارضة بأطيافها المختلفة، بدءا من الأحزاب الشمالية وحتى القوى والحركات الدارفورية، مرورا بالحركة الشعبية لتحرير السودان – قطاع الشمال.

وفي كل المحطات التي جرت للوساطة بين الخرطوم والمعارضة في عواصم أفريقية وأوروبية، كان شعار التوازن حاضرا، وحتى عندما تصبّ اللعنات على نظام البشير لم تكن تتجاوز الحدود اللفظية، والأدهى أنه جرى تجاهل أوراق مهمة تدين البشير ونظامه، مثل المطالبة بإيقافه دوليا من قبل المحكمة الجنائية، بتهمة ارتكاب جرائم حرب في دارفور.

الازدواجية الدولية الفاضحة في التعامل مع نظام البشير أفضت إلى عدم اعتداده بكثير من الضغوط المعلنة التي مورست عليه، رغم إقرار قطاعات دولية بارتكابه جرائم حرب، وقيامه بانتهاكات حقوقية جسيمة، والاعتراف بإخفاقه في إدخال إصلاحات سياسية تتناسب مع تطلعات ونداءات المعارضة، لذلك لم تردعه محاولات التأثير عليه أو حضه على تعديل سياساته.

كان البشير يدرك أن لديه جملة من الأوراق تمكنه من عدم الاهتمام بالضجيج الذي تحدثه قوى المعارضة بألوانها المختلفة، في مقدمتها أن هناك مصالح اقتصادية وسياسية وأمنية يصعب التفريط فيها، كما أن انتشار الصراعات من الشرق إلى الغرب ومن الشمال إلى الجنوب، بدلا من أن تصبح ورقة ضاغطة أساسية عليه تحولت إلى ورقة تعمل لصالحه، حيث خشيت قوى إقليمية ودولية من أن يؤدي الدعم المتواصل للمعارضة السياسية والمسلحة إلى انهيار نظام البشير ودخول السودان مرحلة وعرة من التفتت تؤثر على محيطه القريب وتضر بمصالح قوى دولية متعددة.

لذلك كانت الضغوط الخارجية تقف عند بعض القضايا الظرفية، ولم تصل إطلاقا إلى الرغبة الحقيقية في إسقاط النظام السوداني، وزادت أهمية البشير عندما تجددت الحرب الأهلية في جنوب السودان، وبات النموذج الذي تمت رعايته على محك الانفراط.

لم تفلح الصداقات التي عقدتها قوى المعارضة السودانية مع دوائر غربية كثيرة في أن تحركها نحو اتخاذ مواقف حاسمة من الخرطوم، وغالبيتها تم اختزاله في الشق الدعائي، لأن نظام البشير كان سلسا في الاستجابة للمطالب الغربية، سواء في مجال التعاون الأمني أو في الانصياع والالتزام بعدم تجاوز سقف التحدي المسموح به.

نظام البشير تجاوز مقاصل سياسية واقتصادية كثيرة، بل نجح في قطع شوط إيجابي مهم في علاقاته مع الولايات المتحدة التي اعتبرت في إدارات أميركية مختلفة النظام السوداني العدو الأول لواشنطن، ووصل الوئام بينهما إلى أن تم تخفيف العقوبات الاقتصادية التي فرضت على الخرطوم قبل حوالي عشرين عاما.

في الوقت الراهن، ظهرت تلميحات جديدة من قبل جهات سودانية، تدعو إلى التفاؤل بالمبادرة التي أعلنتها ألمانيا للوساطة بين الخرطوم والحركة الشعبية – قطاع الشمال، والخطوة التي اتخذتها فرنسا للحوار بين حركات دارفورية، شملت حركة العدالة والمساواة وحركة تحرير السودان (جناح مني أركو ميناوي)، تمهيدا لوساطة محتملة بينهما والخرطوم، علاوة على تعاطف بعض الأطراف الغربية مع قوى المعارضة الشمالية، عقب انسداد أفق الحوار الوطني بينها ونظام البشير.

وسط هذه الأجواء راجت توقعات وتكهنات كثيرة، جميعها ذهب إلى أن النظام السوداني مقبل على حملة سياسية شعواء برعاية قوى دولية، خاصة أن جميع المحادثات والمفاوضات التي دخلتها الخرطوم مع المعارضة بكل أطيافها خلال السنوات الماضية لم تسفر عن شيء ملموس، وتأكد أن قدرة البشير على المناورة والمراوغة كبيرة.

وفي هذا المضمار يمكن فهم جانب من القفزة الواسعة التي قام بها البشير مؤخرا، والمتعلقة بقيامه بقطع العلاقات مع إيران تضامنا مع السعودية، والتي سبقتها خطوات أخرى باتجاه إغلاق المكاتب الثقافية الإيرانية في السودان، وتكاتف الخرطوم مع الرياض في حرب اليمن وعودة الشرعية إليه، ناهيك عن تعزيز العلاقات مع دول مجاورة مثل مصر وإثيوبيا وأوغندا.

يبدو البعد الخارجي يلعب لصالح النظام السوداني وليس معارضيه، وهو ما يجعل الخرطوم أشد قوة، فمن توقعوا أن تتجاوب مع أي نداءات سياسية جديدة أو تقبل بضغوط خارجية، جانبهم الصواب، لأن نظام البشير لم يضبط بقبول مقاربات جادة للحوار والسلام وهو في لحظات قوة، فكل التنازلات التي قدمها تم انتزاعها عنوة منه، وأبرزها اتفاق نيفاشا لتقرير مصير جنوب السودان، ثم إعلان الانفصال.

وإذا كان البشير لديه قناعة بأنه في حالة يبدو فيها قويا على المستوى الإقليمي، مقابل ضعف وترهّل معارضيه، فلن يستجيب لأي مبادرات جدية، وحتى لو قبل بالدخول في مفاوضات والتعاطي معها شكليا، فلن يكون مضطرا لتقديم تنازلات سياسية، فلا زال على يقين أن هناك أطرافا تحتاج إليه، كما أن الغموض الذي يمكن أن يخلفه غيابه جعل البعض يقبل باستمراره ويتجاوز أخطاءه.

كاتب مصري

9