البعد الديموغرافي لفكرة يهودية "إسرائيل"

السبت 2013/10/19

سلطت غالبية البحوث والمقالات التي تصدت لفكرة ومصطلح يهودية الدولة على تداعيات المصطلح، فيما لو تم تعميمه وتطبيقه على مستقبل الأقلية العربية في «إسرائيل»، وعلى اللاجئين الفلسطينيين، ومستقبل القرار 194. ولم يتم إلقاء الضوء لا من قريب ولا من بعيد على أثر تلك الفكرة على البعد الديمغرافي، المتمثل أساساً في مستقبل الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة. وفي هذا السياق يستغل قادة «إسرائيل» كافة المناسبات للتأكيد على أهمية جذب المزيد من يهود العالم إلى فلسطين المحتلة، إذ تعد الهجرة اليهودية من أهم ركائز استمرار «إسرائيل» ككيان استثنائي في المنطقة. وهناك أسباب كامنة لنضوب الهجرة اليهودية، أو على الأقل تراجعها.

وفي مقدمة تلك الأسباب تراجع عوامل الطرد لليهود من بلادهم الأصلية، فضلا عن تراجع عوامل الجذب المحلية. عقد في «إسرائيل» خلال الفترة بين السنوات 2000 و2013 ثلاثة عشر مؤتمراً استراتيجياً في هرتسيليا. وأكد المؤتمرون في توصياتهم على ضرورة إعطاء الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة أهمية فائقة، نظراً لتراجع موجات الهجرة اليهودية بعد انتفاضة الأقصى، في مقابل الزيادة الطبيعية المرتفعة بين العرب داخل حدود فلسطين التاريخية. وتبعا لذلك، ركزت وسائل الإعلام الإسرائيلية على أهمية تهيئة الظروف المختلفة لجذب المزيد من يهود العالم إلى الأراضي العربية المحتلة لتحقيق التفوق الديموغرافي على العرب في حدود فلسطين التاريخية في المستقبل، وانصب الاهتمام الإسرائيلي على محاولة جذب يهود الهند والأرجنتين، بعد أن واجهت «إسرائيل» أزمة هجرة خلال سنوات انتفاضة الأقصى من جهة، وجفاف الهجرة من الدول ذات مؤشرات التنمية البشرية المرتفعة مثل أميركا وكندا وفرنسا وبريطانيا، من جهة أخرى.

ومن الأهمية الإشارة إلى أن الهجرة اليهودية إلى فلسطين المحتلة تعتبر حجر الزاوية لاستمرار «إسرائيل» كدولة غير طبيعية، حيث للعنصر البشري اليهودي دور محوري. وفي هذا السياق تشير الدراسات إلى أن الحركة الصهيونية استطاعت جذب نحو 650 ألف مهاجر يهودي حتى آيار من عام 1948، وبعد إنشاء دولة «إسرائيل» في العام المذكور، عملت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة على اجتذاب مهاجرين جدد من يهود العالم، فاستطاعت جذب أكثر من أربعة ملايين يهودي خلال الفترة (1948-2013)، بيد أنه هاجر من فلسطين المحتلة نحو 20 في المئة منهم نتيجة عدم قدرتهم على التلاؤم مع ظروف مختلفة عن بلد المنشأ في أوروبا والولايات المتحدة وغيرها. وتعتبر الفترة (1948-1960) وكذلك الفترة (1990-2000) من الفترات الذهبية لجذب مهاجرين يهود باتجاه فلسطين المحتلة، حيث ساهمت الهجرة خلال الفترتين بنحو 65 بالمئة من إجمالي الزيادة اليهودية. ونتيجة محددات النمو السكاني وصل مجموع اليهود إلى نحو 5.9 مليون يهودي عام 2013.

وأكد رئيس الوكالة اليهودية بأن أرقام الهجرة تراجعت من نحو سبعين ألف مهاجر عام 2000 إلى 43 ألفا عام 2001، ومن ثم إلى 30 ألفاً في عام 2002 ولم يتعد الرقم 19 ألفا حتى نهاية عام 2003 وبقيت الأرقام في حدودها المذكورة خلال الفترة 2005-2012. وخلال الفترة المشار إليها كان ميزان الهجرة اليهودية سلبياً لصالح الهجرة المعاكسة في بعض السنوات. ومن المتوقع أن لا يحصل تطور كبير في أرقام الهجرة اليهودية خلال السنوات المقبلة.

وما يقلق المؤسسة الإسرائيلية استعداد نحو 40 في المئة من الشباب اليهود في «إسرائيل» للهجرة المعاكسة، فضلاً عن إخفاء وزارة الهجرة والاستيعاب أعداد اليهود الإسرائيليين الذين هاجروا إلى خارج «إسرائيل».

لكن ثمة دراسات أشارت إلى أن هناك 400 ألف يهودي إسرائيلي لن يعودوا إلى «إسرائيل»، لاسيما أن أغلبيتهم يحملون جنسيات دول أخرى في العالم وخاصة الأميركية والأوروبية منها. وتبعا لأزمة الهجرة اليهودية، بفعل تراجع العوامل الجاذبة، ستسعى المؤسسة الإسرائيلية بالتعاون والتنسيق مع الوكالة اليهودية إلى تمويل حملة كبيرة ومنظمة في المستقبل، لجذب نحو 200 ألف من الأرجنتين، وعدة آلاف من يهود الفلاشا في أثيوبيا، فضلاً عن محاولات حثيثة لاجتذاب نحو 80 ألفاً من يهود الهند وجنوب أفريقيا، هذا في وقت باتت فيه أبواب هجرة يهود أوروبا وأميركا الشمالية في حدودها الدنيا بسبب انعدام عوامل الطرد منها. وتجدر الإشارة إلى أن يهود العالم يتمركزون بشكل رئيسي في الولايات المتحدة، فمن بين 13 مليون يهودي في العالم في عام 2013 هناك 5,5 مليون يهودي في الولايات المتحدة.

المؤسسة الإسرائيلية تسعى منذ سنوات إلى ترسيخ فكرة يهودية إسرائيل على الأرض من خلال تهويد الزمان والمكان في فلسطين، سعياً لتهيئة ظروف أكثر جذبا ليهود العالم باتجاه فلسطين المحتلة، لأن الهجرة اليهودية هي العامل الحاسم لقلب الميزان الديمغرافي لصالح اليهود في المدى البعيد، وهذا يعتبر الهدف الأسمى لفكرة يهودية إسرائيل.


كاتب فلسطيني

8