البعد الروحي لرمضان في تركيا يوظف للتحكم في توجهات المصلين بالمساجد

تركز الحكومة ورئاسة الشؤون الدينية في تركيا خلال شهر رمضان على الأعمال الخيرية وعلى جعل المساجد مكانا للعبادة ولتقديم الدروس الدينية. وتتخذ حكومة حزب العدالة والتنمية الإسلامي من شهر الصيام وسيلة لدفع المؤسسات الدينية والمؤسسات والجمعيات الخيرية إلى أن تلعب دورا هاما ومؤثرا في المجتمع يقوم بتوظيف البعد الديني والروحي لترسيخ قيم التضامن والتكافل خلال شهر الصيام.
الأربعاء 2017/06/07
العادات العثمانية تزداد قوة

أنقرة – يتسم شهر رمضان، الذي يسمى “سلطان الشهور” في تركيا، بطابعه الخاص الذي يتميز بالمحافظة على العادات والتقاليد المتوارثة في المجتمع في ما يخص العادات الدينية أو الغذائية أو أجواء السهرات الدينية منذ العهد العثماني، وبين مظاهر التضامن والتكافل احتفاء بقداسة وبركة شهر الصيام لدى الأتراك كما لدى المسلمين جميعا.

وتعمل المساجد على استقطاب المصلين وعلى فتح أبوابها لموائد الإفطار، كما تتوزع الجمعيات الخيرية في مختلف المدن التركية وتعمل على توزيع المساعدات وعلى التعريف بنشاطها وعلى الاحتكاك المباشر بالمواطن والاتصال به والتواصل مع أبناء الطبقات الفقيرة والمتوسطة.

والمعروف أن الجمعيات الخيرية الدينية خاصة، والتي تخضع لسلطة المشايخ والأئمة والدعاة تعمل على استقطاب الناس نحو تبني فكر معين.

وتسمح الحكومة التركية للمشايخ ورجال الدين التابعين والمؤيدين للحزب الحاكم بممارسة الأنشطة الخيرية ضمن جمعياتهم بكامل الحرية ودون شروط أو قيود لأنها تعتبر أماكن العبادة والجمعيات الخيرية سندا للحزب الحاكم ولتوجهات الحكومة ولخياراتها في ما يخص المجتمع والمساعي المحمومة نحو أسلمته ونحو كسب تأييده في نوايا العودة إلى زمن السلطنة العثمانية.

وكانت الاستعدادات لجعل الأتراك أكثر ارتباطا بالمساجد قد بدأت قبل شهر رمضان حيث كشف مفتي إسطنبول حسن كامل يلماز، في منتصف شهر مايو المنقضي، عن اتفاقية وقعتها رئاسة الشؤون الدينية ووزارة البيئة والتخطيط العمراني التركية، تهدف إلى تقسيم المساجد إلى مجموعات بحسب مواقعها، وذلك بهدف إحياء دورها بشكل أكبر في المجتمع.

وبحسب صحيفة ديلي صباح التركية، فقد أعلن يلماز أن التعديلات التي سيتم إجراؤها ستقسم المساجد إلى فئات بحسب الموقع الجغرافي، مثلاً مساجد الأحياء، ومساجد الأسواق، ومساجد الميادين، ومساجد التجمعات السكنية، إلخ. وأن كل مسجد سيحتوي على معايير من الواجب توافرها وأماكن خاصة بكل فئة من الفئات.

توجيه المساجد نحو لعب دور اجتماعي ما لبث يتطور منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى الحكم عام 2003

وخلال كلمة ألقاها في المؤتمر الدولي الثامن لموظفي الشؤون الدينية بإسطنبول، أشار إلى أن المساجد لن تصبح مكاناً للصلاة فقط بل ستضم أيضاً أماكن يمكن للمواطنين الالتقاء والجلوس فيها، وأماكن للقراءة.

وأوضح بالقول “ستصبح المساجد أماكن يمكن للمواطن الذي يشعر بالضيق من كثرة الجلوس بين الجدران الخرسانية بالأبنية والشقق أن يذهب إليها ويلتقي بأقرانه”. مشيرا إلى أن رئاسة الشؤون الدينية اتخذت هذا القرار بعد ما لاحظت أن علاقة المواطنين بالمساجد قد تراجعت بصورة كبيرة وأصبحت تقتصر على الذهاب إليها لأداء الصلاة فقط، مضيفا “لقد قل عدد النساء اللاتي يذهبن إلى المسجد بصورة كبيرة وستجعل التغييرات الجديدة علاقة المواطنين بالمساجد أقوى مما هي عليه اليوم”.

الثابت أن إقبال المسلمين على المساجد يتضاعف خلال شهر الصيام حيث يذهبون للصلاة ويتلقون الدروس الدينية وهذا ما يجعل قرارات رئاسة الشؤون الدينية التي قسمت المساجد حسب المناطق وحسب الفئات السكانية فيها، ذات وقع كبير حيث يمكن لسلطات الإشراف أن تختار لكل مسجد رجل الدين المناسب الذي يكون قادرا على تقديم الدروس الدينية المتفق على خطوطها العريضة من قبل مع الحكومة.

وبالتالي تتوفر للحزب الحاكم فرصة تقديم الخطب والدروس الدينية التي يراها قادرة على التأثير في توجهات المصلين بما يتماشى ورغبة السلطة.

ويرى خبراء أن توجيه المساجد نحو لعب دورها الاجتماعي والتثقيفي ما لبث يتطور منذ وصول حزب العدالة والتنمية إلى سدة الحكم عام 2003، الذي يعمل على ترسيخ هذا الجانب حيث لم تعد مقتصرة على العبادة والصلاة، ولعل هذا الاختيار ليس نابعا فقط من رغبة في نشر القيم الروحية والأخلاقية للدين الإسلامي بل إنها تخفي أهدافا أعمق وهي الترويج للحزب الحاكم ولأيديولوجيته وفكره بغرض كسب عدد أكبر من المؤيدين والأنصار الجدد عبر التأثير عليهم من الجانب الروحي.

من جانب آخر تعمل الجمعيات الخيرية بمساعدة من البلديات التركية على إقامة موائد الإفطار، ليس فقط في المساجد بل أيضا في الفضاءات العامة وفي الحدائق وغيرها من الأماكن العامة وكذلك على توزيع المساعدات في مختلف المناطق التركية وكذلك خارج تركيا فكثيرا ما تتداول وسائل الإعلام ووكالات الأنباء التركية أخبارا عن تبرع الإغاثة التركية وغيرها من المؤسسات التركية الخيرية إلى صائمين في دول أجنبية.

ويقوم وقف الديانة التركي مثلا بتسجيل حضوره وتوسيع نشاطاته خارج الأراضي التركية ليقدم مثالا على حرص الحكومة على مساعدة المحتاجين وهو ما تسعى من خلاله إلى إضفاء إشعاع على الرأي العام وكسب تأييد منه في مختلف دول العالم.

12