البعد الغائب لفتاوى التكفير في مصر

الاثنين 2017/05/15

الفتاوى والتصريحات التي صدرت عن بعض شيوخ الأزهر حيال تكفير المسيحيين كشفت عن بعد غائب في العلاقة بين المسلمين والأقباط، يحاول الكثيرون تجاهله، إما بحجة الحفاظ على الوحدة الوطنية وإما بتجنب التشويش وعدم منح فرصة للمتطرفين للقفز على هذه المسألة وذيولها السياسية.

الحكومة المصرية رفضت هذا الاتجاه، والأزهر شرع في اتخاذ إجراءات قانونية ضد منتسبيه ممّن دخلوا على خط تكفير الآخر، سواء كان مسيحيا أو مجتهدا إسلاميا. لكن المشكلة سوف تبقى عالقة في الأذهان لأن كل الخطوات التي اتخذتها الدولة والمواقف المناهضة للتكفير من قبل المجتمع المدني لم تشف غليل قطاع كبير من المصـريين، اعتبرها من قبيل المسكّنات وتطييب الخواطر، فأصل الداء، وهو الحساسية المفرطة بين المسلمين والمسيحيين في مصر، لا يزال موجودا.

لذلك لم يتورع السلفيون، بشتى أطيافهم، عن الحديث علانية عن موقفهم السلبي من المسيحيين، بتكفيرهم والتحريض على قتلهم أو استحلال أموالهم ونسائهم، وربما تكون الحكومة المصرية اتخذت إجراءات ضد هؤلاء، لكنها لم تكن مقنعة بالنسبة إلى عدد كبير من الأقباط.

فهناك فريق يرى الحرب التي تقودها قوات الأمن ضد المتشددين في سيناء جيدة لاقتلاع جذور الفتنة، غير أن الرهان يتوقف على مدى قدرة الحكومة على اتخاذ خطوات نوعية ضد من يصدرون فتاوى ولم يسلط الإعلام الضوء عليهم بشكل كاف، فمنهم من يمشي في الأرض مرحا ومنهم من يرتاد المنابر ويخطب في الناس دون ضوابط.

التصريحات التي استهدفت النيل من الأقباط في مصر مؤخرا تفرض على الحكومة فتح الملف الشائك للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين بوضوح ودون مواربة، والتعامل معه باعتباره أزمة حقيقية يمكن أن يتسلل منها المتطرفون إلى قاع المجتمع وتحريضه على الجزء الآخر منه.

وهو ما يؤدي إلى إصابة الوحدة الوطنية بداء يصعب الشفاء منه بسهولة، وينقل إلى مصر واحدة من المشكلات المستعصية المنتشرة في المنطقة، وهي الحرب التي أصبحت ترفع شعار الفتن الطائفية.

الأزمة الكامنة كشفت أيضا عن وجه مثير ربما لم يلتفت إليه كثيرون، وهو وجه يقول إن هناك أزمة تعتمل في نفوس الأقباط من النظام الحاكم في مصر، فقد كانت لدى العديد من مسيحيي مصر ثقة كبيرة في الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي، الذي يرجع له الفضل في التخلص من نظام حكم جماعة الإخوان المسلمين وفتح الباب للتخلص من تيار المتشددين ومحاربة الإرهابيين.

مع أن ثقة غالبية الأقباط لا تزال متعلقة بعقل وقلب السيسي، غير أن بعضهم كانت لديه طموحات للتعجيل بإنهاء ظاهرة المتشددين، وعندما أخفق في قطع دابر المتطرفين حتى الآن، بدأت نظرة جزء من الأقباط تتغير، خاصة في أوساط الشباب الذين تحوّل رهانهم من رؤية السيسي كبطل شعبي إلى جنرال يبدو مكبّلا.

يطرب الأقباط عموما لمواقف السيسي الصارمة من الجماعات الإرهابية التي استهدفت عددا من دور العبادة الخاصة بالمسيحيين، ويُعجب هؤلاء بتعاطفه الكبير مع أسر القتلى والجرحى في عمليات إرهابية، وثمة امتنان لدوره في ترميم وصيانة الكنائس التي تعرضت للتفجير، لكن يؤخذ عليه عدم الحسم التام في التعامل مع السلفيين وحزب النور الذي يمثلهم في البرلمان، لأنهم أصبحوا ذخيرة حية لمد المتطرفين بالعناصر البشرية التي تعد وقودا يغذي المعركة ضد المسيحيين.

عدم اقتلاع هذا الفريق من جذوره يظل السيف المسلط على رقاب الأقباط، فالحكومة في نظرهم لم تتخذ إجراءات كافية للحد من نفوذ أنصاره، بل فهموا أن الصمت الذي تبديه حيال عـدد من القيادات السلفية ينطوي على موافقة ضمنية بالتمادي في التجاوزات الكلامية، وهو مع جعل شيخا مثل سالم عبـدالجليل أو عبـدالله رشـدي يتهم كلاهما المسيحيين بالكفر لأنهما وجدا بيئة مهيأة لاستقبال التطاول الديني والمجتمعي.

من هنا لم يخلُ الاتجاه الآخر المعبر عن بعض الأقباط من تطاول على المسلمين، وخـروج ما يتم تـداوله داخل جـدران الكنائس إلى العلن، والحديث صراحة عن تكفير المسيحيين للمسلمين أيضا، وعندما سئل أحد القساوسة عن ذلك قال بلا مواربة “لن أكون مسيحيا لو لم اعتبر المسلمين كفارا”.

الأمر زاد سخونة عندما بدأت بعض الدوائر المسيحية تُعظّم من دور الأقباط تاريخيا، وتؤكد أنهم أصل البلاد، وأخذت الإيحاءات السياسية والدينية تتضاعف بشأن احتلال العرب لمصر وتغيير هويتها من “قبطية إلى إسلامية”.

الفتنة التي فجرتها فتاوى التكفير لن تتوقف عند حدود المحاسبة القانونية لفرد أو أكثر من هنا أو هناك، لكنها تحتاج إلى معالجة شاملة، فالانتقائية التي يتم التعامل بها تغري قطـاعات أخرى بالدخول على الخط المثير لأنه جذاب لأنصار كل طرف وربما يجلب لأصحابه المزيد من الأتباع والمريدين، وما لم تتخذ الحكومة حزمة مدروسة من الإجراءات سيظل طوفان التكفير مشتعلا.

أول خطوة يجب القيام بها هي محاسبة كل من يتخطى الثوابت الأساسية التي حددها الدستور والتي تعترف بأهمية وقيم الوحدة الوطنيـة وعدم ازدراء الأديـان جميعا، والسـؤال هنـا لماذا يطبق هذا القانون على من يزدري الدين الإسلامي، ولم يطبق حتى الآن على من يزدري الدين المسيحي؟

الخطوة الثانية تتعلق بتغيير المناهج التعليمية التي تغرس في عقول الأطفال منذ الصغر حساسية النظرة للآخر، مسلما أم مسيحيا، وعـلاج هذه المسـألة يـؤدي مستقبلا إلى ظهور جيل سوي، فقد نشأتُ وأبناء جيلي على عدم الشعور بأدنى تفرقة بين مسلـم ومسيحي، ولعـل سدّ الثغرات التي أدت إلى الانفصام الحالي بين الطرفين كفيل بردع الكثير من الفتاوى الجائرة التي يمكن أن تكبد المجتمع خسائر باهظة.

الخطوة الثالثة تخص تحويل المواطنة من شعار إلى فعل، فالحديث عنها لن يكون مجديا دون أن يتم اتخاذ خطوات عملية لترسيخ قيمها وأصولها في وجدان المجتمع، فقد تحولت إلى مضغة تلوكها بعض الألسنة للاستهلاك ومخاطبة جهات خارجية تراقب الأوضاع في مصر، وما لم تمتلك الحكومة روشتة حقيقية للعلاج سوف تواجه بسيول من فتاوى التكفير المتبادلة، خاصة أن هناك من يغذي هذا الاتجاه مستفيدا من بوادر الاحتقان الطائفي الظاهر على السطح.

كاتب مصري

9