البعد الفلسطيني أساس شعبية الإخوان وسبب تفككهم في الأردن

النظام يدرك جيدا الاعتبارات الديمغرافية للتوجه نحو الحكومة المنتخبة، لكن لا يمكن الفصل بين الجماعة ونفوذها في المناطق التي تضم أردنيين من أصل فلسطيني.
الثلاثاء 2020/06/30
شعبية قائمة على الشعارات

عمان - منذ إنشاء جماعة الإخوان المسلمين في الأردن منتصف الأربعينات من القرن الماضي، ظل البعد الفلسطيني حاضرا بقوة، سواء في أركان الخطاب السياسي للجماعة أو في القاعدة العريضة من المواطنين الأردنيين ذوي الأصول الفلسطينية الذين يمثلون حوالي نصف سكان المملكة.

ومثلما كان للبعد الفلسطيني الدور الحاسم في انتشار دعاية الإخوان وزيادة شعبيتهم في الأردن حتى أواخر الثمانينات من القرن الماضي، كان هذا البعد يحمل أيضا في طياته الأسباب التي أدت إلى تفكك الجماعة وانحسارها على المستوى الوطني.

تأسست الجماعة رسميا في الأردن عام 1946 على أيدي مجموعة من الإسلاميين الفلسطينيين كأحد فروع تنظيم الإخوان الذي أنشأه حسن البنا في مصر عام 1928.

وحيث تُكرر دائما جماعة الإخوان في الأردن أنها "أقدم من المملكة"، فقد وقفت فعلا إلى جانب السلطة في لحظات مفصلية كادت تطيح بنظام الحكم في الأردن.

وبعد أن اتخذت شعبية الجماعة نسقا تصاعديا على مستوى الشرق الأوسط في أعقاب حرب 1948 ومع حالة التعبئة العامة في القضية الفلسطينية وضم الضفة الغربية للمملكة في 1951، ازداد انخراط "الغرب أردنيين" في السياسة شرقي النهر.

وكانت هذه السنوات كفيلة بترسيخ وجود جماعة الإخوان وتقوية شوكتهم حين وقفوا إلى جانب النظام في أخطر فترات المد القومي والناصري التي بلغت ذروتها مع إحباط محاولة انقلاب قادتها قوى يسارية ثم استقالة حكومة سليمان النابلسي “الاشتراكية” عام 1957.

مرة أخرى في 1970 أو ما يسمى "أحداث أيلول" عندما أراد الفدائيون الفلسطينيون إسقاط حكم الملك حسين بن طلال بالقوة لتأسيس دولة فلسطينية، لم تستطع الجماعة دعم النظام لكنها وقفت على "الحياد" من الأحداث التي اعتبرتها "فتنة وقتالا بين طرفين مسلمين"، وكان هذا كافيا للحكومة التي استطاعت في نهاية المطاف طرد الفصائل الفلسطينية المسلحة وحظر نشاطها.

وحتى في أوج أحداث “الربيع العربي” في 2011 وحولها، التزم إخوان الأردن بالدعوة إلى “إصلاح النظام”، في تمايز واضح عن الدعوات التي شهدتها بلدان مجاورة وطالبت بإسقاط الأنظمة على غرار ما حدث خصوصا في مصر وسوريا وتونس.

حين تبلورت أوضاع الإخوان في الأردن باعتبارهم الواجهة السياسية للأردنيين من أصول فلسطينية، كان واضحا أن هامش التحرك على المستوى الوطني يضيق على الإخوان الذين يديرون منذ عقود برامج اجتماعية و"خيرية" واسعة النطاق في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، حيث الكتلة الناخبة الرئيسية لجماعة الإخوان.

التداخل ظهر خلال تسعينيات القرن الماضي بين إخوان الأردن وحركة حماس الوليدة كفرع للإخوان في فلسطين

لم يشارك الإخوان في احتجاجات 1989 أو "أحداث مَعان" التي قادت إلى تطبيع الحياة السياسية وعودة البرلمان، لكنهم شاركوا في الانتخابات التي تلت الأحداث وحققوا أكبر فوز في تاريخهم.

واندلعت الاحتجاجات آنذاك في مَعان وباقي جنوب الأردن وامتدت إلى مناطق أخرى، حيث السكان من "الشرق أردنيين"، في حين يتركز ثقل الإخوان في أكبر مدينتين أردنيتين، العاصمة عمان والزرقاء، وهما اللتان تضمان العدد الأكبر من "الغرب أردنيين" ولم تشهدا أي تحركات احتجاجية.

لم يشارك الإخوان في احتجاجات 1997 أو ما سمّي "ثورة الخبز" التي قامت في مناطق "الشرق أردنيين". وفي تلك السنة قاطع الإخوان الاقتراع البرلماني إثر تعديل قانون الانتخاب الذي اعتبروه يصب في مصلحة العشائر في المحافظات ذات الكثافة السكانية القليلة مقارنة بعمان والزرقاء.

ظهر التداخل جليا خلال تسعينات القرن الماضي بين إخوان الأردن وحركة حماس الوليدة كفرع للإخوان في فلسطين، إلى أن قررت الحكومة إغلاق مكتب حماس في الأردن وترحيل قياداتها في 1999.

مذاك وضعت الحكومة وأجهزتها جماعة الإخوان تحت مجهر الارتباطات الخارجية، إن كانت بحركة حماس أو بمرشد الجماعة في مصر؛ هذه الارتباطات التي ظلت الحكومة الأردنية قبل ذلك تغض الطرف عنها وأحيانا تتقبلها.

ازداد توجس الحكومة الأردنية من تأثير جماعة الإخوان بعد فوز حماس في الانتخابات الفلسطينية عام 2006. وحتى هذا التاريخ كان لا يزال في جماعة الإخوان في الأردن قياديون محسوبون على حماس.

كان محور مظاهرات "إصلاح النظام" التي قادها الإخوان في غمرة "الربيع العربي" تدور في الواقع حول تغيير النظام إلى ملكية دستورية وحكومة منتخبة، وهو ما لم يكن ممكنا أن يتحقق. والحال أن "الشرق أردنيين" يعرفون أن هذا يعني "تشكيل حكومة فلسطينية لقيادة الأردن".

وراودتها آنذاك فكرة الحكم أكثر من أي وقت مضى، لكن تغير قيادات الجماعة وتبدل العلاقة مع الحكومة ثم فيما بعد الانشقاقات أفضت إلى وضع الإخوان في حجم جديد عليهم أن يعتادوا عليه.

يدرك النظام جيدا الاعتبارات الاجتماعية والديمغرافية للتوجه نحو الحكومة المنتخبة، لكن لا يمكن الفصل بين الجماعة ونفوذها في المناطق التي تضم أردنيين من أصل فلسطيني.

في غير مصلحة الجماعة هذه المرة، يعود البعد الفلسطيني والارتباط الخارجي للإخوان إلى الواجهة؛ إذ بعد سنتين فقط من اندلاع "الربيع العربي" انشقت مجموعة من قيادات الإخوان عن الجماعة وأعلنت ما يسمى "وثيقة زمزم"، التي تنادي خصوصا بالالتفات إلى الشأن الأردني، حين كانت الجماعة منشغلة أكثر بالقضايا الإقليمية.

جاءت الضربة الثانية لجماعة الإخوان في 2015 حين قام حوالي 50 إخوانيا بإنشاء "جمعية الإخوان المسلمين" ووافقت السلطات على ترخيصها برئاسة المراقب السابق للجماعة عبدالمجيد الذنيبات، الذي أخذ أيضا على "الجماعة" انفصالها عن القضايا المحلية.

12