البعد الوطني.. الغائب المشترك الأكبر عند الجماعات الإسلامية

الأربعاء 2013/11/06
توظيف "الديني" في الفعل السياسي؛ قاسم مشترك بين كل التيارات الدينية الإسلامية

المتمعن في تاريخ الجماعات الإسلامية بمختلف منطلقاتها الفكرية، يلحظُ أن البعد الوطني لا يمثل أولوية في الأدبيات الإسلاموية، حيث تتقدم مقولات «السمع والطاعة» و«الولاء والبراء» وغيرها من الأطروحات على إمكان العيش الوطني المشترك القائم بدوره على الإيمان بتعدد المجتمع. وانسحب هذا المعطى (غياب البعد الوطني) على كل الجماعات الإسلامية مع تسجيل بعض أوجه الاختلاف التي لا تنفي الشبه الجوهري.

أبى الإخوان المسلمون المصريون اعتبار أنفسهم حزباً، وأصروا على التسمية بـ»جماعة الإخوان المسلمين».

مفردة «الحزب» ترد في القرآن دائماً في معرض الذم أو السلب. إنما المهم هو الأساس، أي العقيدة والثقافة. وبما أن العقيدة واحدة فينبغي أن تظل الأمة واحدة، وكذلك الدولة والمجتمع. وقد كانت هناك حيرة في مسألة التعددية الدينية، فقد أقر القرآن وجود اليهود والمسيحيين في المجتمع الإسلامي، وهم مغايرون للمسلمين دينيا وثقافيا. وقد واجه «الإخوان المسلمون» المصريون والسوريون هذا التحدي التاريخي بأشكال مختلفة.


مأزق "التعدد"


مال «الإخوان» السوريون- بزعامة مصطفى السباعي والذين تمتعوا ببعض الحرية والمشروعية فيما بين الاستقلال السوري والوحدة عام 1958- إلى إقرار التعددية الدينية، على أن تكون القيادة في المجتمع للإسلام باعتباره دين الأكثرية، لكنهم شأنهم في ذلك شأن القوميين العرب لم يعتبروا التعددية الدينية تعددية ثقافية.

لم تكن لـ»الإخوان المسلمين» بمصر تجربة إيجابية مع النظام السياسي المصري، لا في العهد الملكي ولا في العهد الجمهوري، ولذلك ظل موقفهم من التعددية الثقافية والاجتماعية والسياسية مترددا أيام الملكية، وسلبياً أيام جمال عبدالناصر، ويظهر ذلك على نحو أفضل في الكتابات السياسية لحسن البنا وعبدالقادر عودة وسيد قطب منذ الأربعينات وحتى أواسط الستينات.

لم يكن حسن البنا يميل كثيراً للتنظير، ولا يحب الصِّدام مع النظام السياسي المصري، لكنه وجد نفسه دائماً في مواجهة حزب الأغلبية، أي حزب «الوفد»، ولذلك ظل موقفه من فكرة الأغلبية أو الجماعة (رغم اسم جماعته) غامضاً أو متأرجحاً، فالواضح أن مفرد «الجماعة» تاريخياً هو المضاد لمفرد «الفتنة» وقد عنى في سياقات كثيرة «الإجماع»، ثم ينبغي ألا ننسى أنه يقترن بالسُّنة في التعبير عن الأكثرية الساحقة للمسلمين منذ تسعة قرون: «أهل السُّنة والجماعة».

مع ذلك فقد كانت جماعة «الإخوان المسلمين» جماعة حديدية في التنظيم، وأثرت صلابتها في كل التنظيمات الإسلامية اللاحقة التي قامت جميعها على مبدأ الطاعة للأمير وولي الأمر؛ وهو عادة رأس الجماعة أو مؤسسها.


دولة تطبيق الشريعة


وفي ما عدا الأردن حيث كان الولاء مزدوجاً للملك ولمرشد «الجماعة»؛ فإنه في سائر البلاد العربية، كانت البيعة للأمير أو رأس الجماعة. وبذلك فبالإضافة للعقَدية الدينية، التي لا تشجع على التعدد، لم يكن الواقع السياسي يشجع على ذلك، ثم أُضيفت إليه عقائدية «المشروع السياسي» الذي اكتمل في الستينات «الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة»، وليس لدى «الإخوان» المصريين فقط، بل ولدى سائر جماعات الإحياء في الوطن العربي، ولدى «الجماعة الإسلامية» بباكستان.

ومع أن «الإخوان المسلمين» في مصر لم يتخلوا عن أطروحة الدولة الإسلامية التي تطبق الشريعة؛ فقد أمكن لهم التحالف على التوالي مع حزب «الوفد» ثم حزب «العمل» - وهما حزبان مشروعان- وإيصال العشرات من أعضائهم للبرلمان المصري.

وفي عام 1994 أصدروا وثيقة صرحت بالدعوة للديمقراطية، لكنهم ما لبثوا أن تراجعوا عنها أو تجاهلوها، مما دفع عدداً من شبانهم للانفصال ومحاولة تأسيس حزب «غير ديني»، كما قالوا، تحت اسم «حزب الوسط»، ولما لم تعترف الدولة المصرية حتى اليوم لـ»الإخوان» بالحق في إنشاء حزب سياسي، باعتبار أنهم جماعة دينية والدستور لا يقر قيام الأحزاب على أساس ديني؛ فكذلك لم تعترف بـ"حزب الوسط" لأسباب متنوعة.

وفي عام 2002 عاد «الإخوان المسلمون» في مصر لإصدار وثيقة «ثانية» تقول بالدولة المدنية، وبالتعددية السياسية وحاولوا في العامين 2004 و2005 الدخول إلى المشهد السياسي المصري دون تحالفات وعن طريق إصدار البيانات السياسية، ثم القيام بتظاهرات من أجل الحريات السياسية أو النقابية، أو تجاه ما يجري في فلسطين والعراق، أو من أجل إسقاط أحكام الطوارئ أو تعديل الدستور.

لكنهم في إحدى التظاهرات قاموا برفع المصاحف، ثم في مفاوضات أحزاب المعارضة على التحالف في وجه الحزب الحاكم أصروا على التمايز بشعار: «الإسلام هو الحل»، وقد استطاعوا في الانتخابات البرلمانية الأخيرة (2005)، ورغم إجراءات النظام القاسية ضدهم، إيصال أكثر من ثمانين عضواً إلى البرلمان، وكانت تلك مفاجأة كبرى، لم يغطِّ عليها فوز «حماس» بفلسطين، لكنه جعل وصول الإسلاميين عن طريق صناديق الاقتراع ظاهرة «خلابة» تخطف الأبصار، وتثير الرعب لدى الأنظمة والأحزاب غير الدينية.

ويستمر «الإخوان المسلمون» السوريون في إصدار بيانات من المنفى تقول بالحرية والديمقراطية والتعددية، لكن ليس من المعروف كيف تجري التطورات داخل تنظيمهم، بعد الصدام المروع لهم مع النظام السوري بين العامين 1978 و1983، والذي سقط فيه آلاف الضحايا، وذهب نتيجته عشرات الألوف إلى المنافي. وكان زعيمهم سعيد حوّى قد حمل وقتها على العلمانية والطائفية والطغيان والديمقراطية معاً.

وقد شارك «الإخوان المسلمون» اللبنانيون في الانتخابات النيابية بعد نهاية النزاع الداخلي. ولزعيمهم الآن الشيخ فيصل مولوي آراء معتدلة في التعايش الوطني، وفي الديمقراطية. لكنهم ما عادوا يصرحون بشيء حول مسألة الدولة والشرعية والنظام والمجتمع المتعدد.

وكان زعيمهم التاريخي فتحي يكن قد قال بإمكان المشاركة في الانتخابات النيابية، لأن النائب يستطيع أن يظل معارضاً وناقداً دائماً؛ لكن ليس بالوسع المشاركة في الوزارة، لأن معنى ذلك الإقرار بشرعية النظام بدون تحفظ.


أسبقية "الولاء والبراء"


أما «الإخوان المسلمون» الأردنيون والذين كانوا يشاركون في النظام دونما تنظير كثير، فقد تحطمت وحدتهم وعلاقتهم بالنظام على صخرة قضية فلسطين، ومصالحة النظام مع إسرائيل، والاختراق الظاهر بين الفلسطينيين الأردنيين في صفوفهم، وقد بدت «حماس» وهي في الأصل من نتاج «إخوان» الأردن حتى قبل ثلاثة أشهر من الانتخابات الفلسطينية ممزقة بين المشاركة في العملية السياسية ومتابعة النضال المسلح ضد الاحتلال الإسرائيلي، وقد سمعت محمود الزهار أحد زعمائها يقول في برنامج تلفزيوني تعليقاً على وثيقة توافقت عليها تنظيمات فلسطينية بشأن الانتخابات آخر العام إن أحد بنودها الذاهب إلى تحييد المساجد، يعني عدم إمكان القول بـ»الولاء والبراء».

وتبدو تجربة حسن الترابي في السودان متميزة ومتمايزة، وقد تكون أكثر التجارب سلبية على الإسلاميين إلى جانب تجربة الجزائر، فالإسلاميون الجزائريون لم يصلوا للسلطة، أما حسن الترابي فقد شارك فيها أيام النميري وسماه «أمير المؤمنين»، ثم شارك في الانقلاب على التجربة الديمقراطية (1985- 1989)، وسار في النظام هناك حتى مشارف عام 2000، وقد أيد تجربة الحزب الواحد، أي حزبه هو، وخاض حرباً عنيفة ضد المتمردين بجنوب السودان على أساس «الأوحدية» الدينية والسياسية، وفي أواخر التسعينات مال فجأة للتفاوض فالتحالف مع زعيم التمرد الجنوبي جون قرنق، ودخل بالتالي إلى السجن لدى تلامذته العسكريين.


خلاصة من بحث رضوان السيد «أسئلة عن الزمن العربي الحاضر: التعايش الوطني والتعددية الثقافية في الفكر والواقع»، ضمن الكتاب 1 (يناير 2007) «السرورية» الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13