البغدادي خطر على الإخوان، والإخوان خطر على السنة في العراق

الاثنين 2014/08/04

تعرَّفَ العالم على صدام حسين عام 1968 بعد الانقلاب مباشرة، غير أن نجمه الحقيقي لم يسطع في البلاد إلا بعد سنتين، أي عام 1970 تحديدا، في تلك السنة بالذات كانت هناك سيدة سامرائية حامل برجل يدعى أبو بكر البغدادي.

سامراء مدينة غريبة حقاً، كل هذه السنوات أضرحة شيعية في مدينتهم ولم يتشيعوا، بينما أضرحة النجف وكربلاء شيّعت عشائر الجنوب كلها في قرن واحد فقط. سامراء ما زالت سنّية بالكامل وأثبتت فشل التبشير، بل أن «صناعة» الأضرحة نفسها تلفظ أنفاسها الأخيرة في المدينـة، بعد أن أساء أربابها أصول الضيافة.

مدينة المعتصم سامراء أنجبت أشرس صفوي على وجه الأرض السيد مرتضى العسكري (توفي عام 2007) مؤسس حزب الدعوة وهادم المذهب السني في كتابه المدمر «معالم المدرستين» ومصمم مشروع بغداد شيعية، ومشروع الحوزات والتبشير المذهبي. لكن سامراء ما لبثت حتى أنجبت نقيضه المدمر أبو بكر البغدادي.

ممثل الكتلة الصدرية في البرلمان العراقي السيد بهاء الأعرجي قال على قناة البغدادية عام 2010: «إن الأغلبية في العراق كانت عليها مؤامرة منذ زمن أبو بكر (الصديق) إلى زمن أحمد حسن البكر». والآن ظهر لهم أبو بكر البغدادي. ما رأي الأعرجي الآن؟

بالسيطرة على حقلي زمار (شمال الموصل) مؤخرا يبلغ دخل الخليفة النفطي اليوم حوالي 2 مليون دولار يوميا، مليون دولار من النفط العراقي وحوالي مليون دولار من النفط السوري. تقول الأخبار إن داعش أخذت الحقول بعد قتال مع الأكراد ذهب فيه قتلى من الجانبين. البغدادي يعرف بأن الحرب كلها في المنطقة على البترول، لهذا كان أول شيء قام به هو حرمان نوري المالكي من كركوك، بترول كركوك ذهب إلى كردستان.

داعش تسترد اليوم مناطق متنازعا عليها دون خوف من الأكراد. مسعود البارزاني يحتاج على الأقل إلى خمس سنوات لتثبيت وضع كركوك كأمر واقع، وإذا هاجم الدولة الإسلامية بالبشمركة سيجازف بأمرين: أولا عليه تقديم خسائر وتحمل عمليات انتقامية داخل الإقليم المستقر. ثانيا عليه إعادة كركوك لحكومة بغداد بعد قضائه على الثورة السنية. الخليفة يعلم بأن البارزاني سيخسر الدم والبترول إذا حاربه.

الدولة الإسلامية داعش تُغير على سامراء كل يوم، مع أخبار عن تشييع لضباط في الحرس الثوري الإيراني في طهران، وأنباء عن مقتل رجل إيران الأول السيد هادي العامري، بينما الحزب الإخواني في العراق يقول إن السعودية في خطر بسبب داعش. إيران بتهويلها خطر داعش على السعودية، تريد أن تقول بأنها أقل خطرا على الخليج، وتطمح بصفقة. كذلك الإخوان يريدون أن يقولوا بأنهم أقل خطرا ويطمعون بصفقة.

صار الناس يضحكون على الإخوان في العراق فهم يقولون صحيح أن البغدادي استولى على ثاني مدينة في العراق، وقد يدخل بغداد في أية لحظة، لكن الخوف الأكبر اليوم أن تحدث مناوشات على مخفر سعودي في حفر الباطن لا نعرف نتائجه.

خطاب العاهل السعودي الأخير كان واضحا «أصبحت للإرهاب أشكال مختلفة، سواء كان من جماعات أو منظمات أو دول وهي الأخطر بإمكانياتها ونواياها ومكائدها». وهذا يعني بأن الدولة الإرهابية أخطر وهي قد تكون إيران وقد تكون داعش. مهمة الجندي السعودي حماية الأراضي السعودية من الإرهاب، وليس من مهماته ملاحقة الإرهاب خارج البلاد. كل دولة مسؤولة عن حماية أرضها وشعبها.

لم يعد بإمكان العالم التعايش مع الإرهاب وهناك فكرة جديدة. يمكن للبغدادي جمع الدبابير حول العالم في دولة خاصة بهم، وهكذا يرتاح العالم من المشاكل، ربما بعد عشرين سنة من التطرف يبدأ الترف والمال يفعل فعله، كما حدث للمغول والمرابطين في الأندلس وتنتهي المشكلة.

بعد عشرين سنة من مكافحة الإرهاب، تريد أميركا أن تجد حلا نهائيا وترتاح. فهي لا تريد دعم الديمقراطية في الشرق الأوسط بعد اليوم. الديمقراطية تعني امتداد نفوذ إيران في العراق والخليج. وتعني سيطرة الإخوان المسلمين على مصر وقلب الأنظمة الخليجية. الرئيس عبدالفتاح السيسي القومي أنقذ مصر من كارثة، والعراق بين الخليفة وبين عزة الدوري.

حزب الدعوة الحاكم اليوم كان لثلاثين سنة في المعارضة لم يستطع احتلال مخفر عراقي واحد، جاء للحكم بجيش أميركي واحتلال استمر حتى عام 2011. بعد ثلاث سنوات من الانسحاب الأميركي نرى السنة قد حرروا الموصل ويزحفون نحو بغداد. أميركا تفكر جديا اليوم بالتفاهم مع الطرف الحقيقي في العراق والجانب القوي. أوباما أرسل 300 خبير عسكري أميركي للعراق ليس لمساعدة المالكي، بل لضمان عدم دخول الحرس الثوري الإيراني، واحتلال العراق بشكل مباشر.

لم يحاول الصفويون لملمة الشعب العراقي الجريح بعد حصار اقتصادي مدمر (1991 - 2003) فقد قفزت الأحزاب الصفوية إلى الحكم بعد الاحتلال، وبدأت تستخدم التهجير والقتل والسجون السرية والفساد والإعلام للتبشير الديني. الهدف الصفوي كان واضحا وهو تشيع العراق.

كما لو أنهم كانوا يبشروننا بالإسلام الصحيح وهو التشيع. السنّة الآن قد تطرفوا ويبشرون بالإسلام الصحيح بعد عشر سنوات من الذل، وربما بعد هذه المظالم التي ارتكبها الصفويون لن يكون هناك مركز شيعي في العراق.

الإخوان المسلمون أمام أزمة حقيقية في العراق فهم بلا أرض، الأكراد أخذوا كركوك، والبغدادي سيطر على المناطق السنية، والشيعة يجمعون متطوعين يكلفونهم أكثر من أربع مليارات دولار شهريا فماذا يفعل الحزب الإسلامي؟ ربما يعمل قريبا بتحفيظ القرآن الكريم للأطفال في تركيا. لا شعبية للإخوان في العراق خصوصا بعد انتصارات البغدادي الأخيرة. دور الحزب الإسلامي كان غير مشرف طوال فترة الاحتلال. لقد شاركوا في حكومة طائفية لمصالحهم الخاصة وسهلوا مشروع إبادة السنة، كانوا أسوأ بكثير من الصحوات لأنهم ضللوا الناس بأوهام بعيدة عن واقعهم، وينطبق عليهم حقاً ما قاله الشاعر العراقي عريان السيد خلف:

«صحبة ليل كاسر كهكهة غمان

محاببهم چذب ومزاحهم باردْ

عمت عين الليالي وهجم بيت الموت

يتخطى الرعيع وياخذ الماجدْ»


شاعر عراقي مقيم في كندا

8