البغدادي يتزوج الجغرافيا وليس النساء

الجمعة 2014/12/05

احتفت وسائل الإعلام والصحف اللبنانية بخبر نجاح مخابرات الجيش المعروفة بعلاقتها الوطيدة بحزب الله، في إلقاء القبض على سجى الدليمي التي قيل إنها زوجة أبوبكر البغدادي خليفة داعش ليتبين فيما بعد أنها ليست كذلك.

قال المحتفون إن القبض على هذه المرأة قد حسم الأمور لصالح الحكومة اللبنانية، التي باتت تمتلك سلاح دمار شامل من شأنه أن يقصم ظهر المسلّحين، ويجبرهم على الإفراج عن الجنود الأسرى لديهم بسرعة، وربما دون قيد أو شرط سوى إعادة الزوجة المزعومة إلى أحضان زوجها الخليفة الولهان.

أُخضعت صورة الدليمي لعمليات تكبير هائلة حتى بات ظلها الغامض والأسود يغطي كل شيء. موجة الأخبار المرعبة المتلاحقة باتت بلا وزن في ظل رهبة هذه الصورة المكبّرة والعناوين الخرافية التي نسبت إليها. مقتل ستة من جنود الجيش اللبناني في كمين محكم نصب لهم في منطقة رأس بعلبك. وسقوط أكثر من 18 عنصرا لحزب الله في اليومين الماضيين في منطقة يبرود السورية، التي زعم الحزب والنظام السوري مرارا وتكرارا أن السيطرة عليها قد أنجزت بالكامل. اعتقال شخصية عسكرية كبيرة لحزب الله. كل هذه الأخبار بقيت عابرة أمام الانتصار التام والمنجز والنهائي الذي حققته مخابرات الجيش بالقبض على سجى الدليمي.

أصدرت جبهة النصرة إثر اعتقال الدليمي بياناً بدت فيه الحدود التي كانت سابقاً مرسومة بينها وبين داعش ملغاة بشكل شبه تام، لصالح معركة واحدة ووحيدة هي المعركة ضد الجيش اللبناني وضد حزب الله.

هذا الاعتقال أيقظ مشتركاً عاماً عند النصرة وداعش، وأحيا عنوانا شديد الفاعلية في خطاب التعبئة عند كل من هذين التنظيمين، وهو خطاب العرض. هذا الخطاب الذي كان يبدو نوعاً من سياق عمومي لا تفاصيل محددة فيه، بات اليوم واضحا ومحددا. سجى الدليمي وجمانة حميد هما بطلتا هذا الخطاب الموحد الجديد. قبل اعتقالهما كان الحديث يتناول حوادث اغتصاب وتعذيب النساء، وكان هناك تداول لأرقام وأخبار من السهل أن يصار إلى تكذيبها، وحرمانها من التحول إلى حالة عامة يمكن لها تمكين خطاب العرض الذي يشكل عصب خطاب الجماعات الجهادية.

اعتقال الدليمي وحميد جعل كل سجل الانتهاكات التي ارتكبت بحق النساء من قبل النظام السوري وحزب الله مرئية ومسموعة ومحسوسة، ونجحت في تكوين خطاب استغلته النصرة لاكتساب مشروعية سنية عامة ليس في لبنان فقط، وهو الأمر الذي كان يبدو صعبا للغاية في مراحل سابقة.

توحّد خطاب النصرة وداعش. توحدت النظرة التي لا ترى فرقاً بين الجيش اللبناني وحزب الله، وبات البيان الذي تصدره النصرة ينطق كذلك باسم داعش، ويخاطب السنة من زاوية شديدة الحساسية وفوق سياسية هي زاوية انتهاك العرض.

يقول بيان النصرة إن الجيش اللباني أقفل باب المفاوضات تلبية لمطالب الحزب، ويعتبر أن الحكومة اللبنانية تجسد سياسة الغاب التي ينتهجها النظام الأسدي وحزب الله. تقول النصرة، إذن، أن سياسة الغاب هي التي ستحكم العلاقة مع الجيش اللبناني ومع حزب الله، ما يعني أنه لم تعد هناك حدود لما يمكن أن تقوم به.

السؤال الذي لم يطرحه أحد في هذه المعمعة هو؛ هل للخليفة زوجة حقاً؟ وهل يمكن تركيب صورة الزوج على صورة البغدادي؟ هل يقوم مشروع البغدادي على أنه رجل يتزوج النساء بشكل يمكن فيه لحرمانه من إحدى زوجاته أن يكسر ظهره ويقضي عليه؟

البغدادي يتزوج الجغرافيا. يستولد منها خرائط سوداء لا يمكن للمرأة أن تحضر فيها سوى على هيئة كائن محترق متشظ وبلا معالم. المرأة لم، ولن تكون، يوما غاية عند داعش وأمثالها. إنها وسيلة لإنجاب المقاتلين وتربيتهم وتنشئتهم ووسيلة للترفيه، وليست، أبدا، كائنا مالكا لصفات ووجه وملامح. هي كائن ملحق بالفعل الجهادي على هيئة خطاب عرض ثأري، يمكن استعماله لتبرير أية فظاعة مهما كانت.

هنا تكمن فداحة المأساة التي نعيشها حاليا. النظام يقتل النساء ويغتصبهن، وكذلك تفعل النصرة وداعش بطرق مختلفة، ولكنها تتماهى في منطقها الأصلي مع خطاب النظام.

النظام يقتل النساء لكسر شوكة المقاتلين وإهانتهم، فهن لسن موجودات ولسن أعداء بالأصالة بل دوما بالوكالة. داعش والنصرة يستعملان النساء كذلك في خطاب “المظلومية” كأعراض منتهكة فحسب، دون أن يكون لهن منظومة حقوق داخل المجتمعات التي تسيطر عليها هذه التنظيمات. تاليا، هم ينتقمون للعرض وليس للنساء، والعرض هو مفهوم منفصل عن المنتهكات، بل ربما يكون علامة من علامات مضاعفة الانتهاك وتمكينه. المرأة خطاب استقرار وثبات وأمان، وهو ما لا يمكن أن يرتبط بأي شكل من الأشكال بعيش مفجّري الحدود.


كاتب لبناني

9