البقرة حين تتكلم

الأربعاء 2015/03/04

قام أحدهم بتصوير بقرة وهي تلفظ أنفاسها الأخيرة بعد ذبحها، ثم أضاف إلى الفيديو كلمات من نوع “الحمد لله” وقام بتغييرها تقنيا بما يوحي أن البقرة الذبيحة هي التي تتكلم، وكتب على الفيديو “سبحان الله، بقرة تحمد الله بعد ذبحها”. وقد تابعت عشرات التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي وهي تجمع في مجملها على عظمة المعجزة وإيمان البقرة بالقضاء والقدر حتى أنها تكلمت بلسان عربي مبين، فكتب أحدهم “معجزة حقيقية ترد على جهل الجاهلين”، وقال آخر “انشروا الفيديو على نطاق واسع حتى يؤمن الكافرون” وأردف ثالث “هذه رسالة لقوم يتفكرون”، تحدث خامس وسادس وسابع عن إيمان البقر بما غاب عن أغلب البشر.

فيديو البقرة ليس فريدا من نوعه فهناك مئات وربما آلاف الفبركات التي تصب في خانة واحدة وهي استغباء العقل والضحك من حالة الجهل التي تعم هذه الأمة المضروبة على رأسها، فكما تتكلم البقرة، وتسجد الطيور، ويؤذّن الديك، تطرح الأشجار والنباتات ثمارا “إسلامية” كتبت عليها أسماء وشعارات مقدّسة، لتقول للإنسان أنها تؤمن بما لا يؤمن به.

وقبل ذلك كنّا نقرأ ونسمع عن معجزات المجاهدين في أفغانستان كأن يبتلع ثعبان ضخم دبابة روسية أو أن يتم إسقاط طائرة بالدعاء، ثم خرج علينا من يقول أن الملائكة تحارب في غزة، ومن ينشر صورة لحوت قال أنه هو الذي خرج من بطنه النبي يونس، مؤكدا أنه لايزال حيا، دون تحديد مكانه، ومن يدعي أن الملك جبرائيل نزل في ساحة رابعة ليدعم الإخوان، ثم ليتخلى عنهم فجأة بعد أن دخلوا السجون وانطلقت جلسات مقاضاتهم، وقد وصل الأمر إلى حد الحديث عن مقاتلين نازلين بأجنحة ضوئية من السماء للقتال مع داعش دون أن يكشف لنا أصحاب الخبر ما إذا كان هؤلاء المجنحون يستعملون السلاح الأميركي أم الروسي أم التركي في حربهم المقدسة تحت راية أبي بكر البغدادي.

وبين البقرة التي تتكلم والثعبان المقاوم وحوت يونس والملائكة التي تواجه أعداء الدين، تتحول أحدث تقنيات العصر إلى أدوات لنشر أعتى “إبداعات” الجهل والتخلف، ولكن من خلال جهات خفية لا أحد يستطيع الكشف عن هويتها الحقيقية، جهات تخترق المجتمعات بعدائها للعقل لتنجح في تجنيد السذّج والبسطاء والجهلة والأغبياء في فتنة يبدو أنها تنوي الإتيان على الأخضر واليابس، والغريب أنها تجد من يصدق أكاذيبها وترّهاتها من بين أناس يفتحون الكمبيوتر أو الهاتف الذكي ويتعاملون مع أزرارهما ولهم صفحات على مواقع التواصل الاجتماعي يتسابقون من خلالها على الإعجاب بمعجزات مفبركة كمعجزة البقرة التي تتكلم بعبرات الحمد وهي في طريقها إلى بطون آكليها.

24