"البقشاش" حامي البيئة في المدن المغربية

يهدد تراكم النفايات جل المدن العربية في الآونة الأخيرة لكن في المقابل أصبحت أكداس القمامة وحاوياتها مصدر رزق للعديد من العائلات الفقيرة بعد أن توفرت معامل إعادة تدوير نفايات البلاستيك والحديد والزجاج، وفي المملكة المغربية تعكف مجموعة من الباحثين عما يصلح للتدوير على جمع ما تيسر لها من المواد التي توفر لها مورد رزق كريم، بل أصبحت من حماة البيئة من خلال عملها الشاق يوميا.
الجمعة 2016/08/05
أناس يسترزقون من بقايا آخرين

الرباط - “لا شيء يضيع، الكل يتحول ويفيد” مقولة تنطبق على من يعرفون في المجتمع المغربي بـ“البقشاشين”، وهم أولئك الناس الباحثون في أكداس القمامة عما تبقى من متلاشيات من حديد أو بلاستيك أو زجاج لحملها في كيس إلى تاجر “الخردة” الذي يبيعها بدوره إلى شركات إعادة التكرير لتعيد تجميعها من جديد في نوع محدد حديدا كان أم بلاستيكا أم زجاجا، ومن ثمة شحنها إلى معامل إعادة تصنيعها في الدار البيضاء، العاصمة الاقتصادية للمملكة المغربية.

هي مهنة احترفها الكثيرون رغم ما التصق بها من نظرة دونية في المجتمع لكن العاملين بها يرونها مهنة شريفة تجعلهم لا يمدون أيديهم إلى الآخرين، ومن أجلها عاد حسن الريفي من الديار الأسبانية ليستثمر فيها كما استثمر والده وجده من قبله، وأصبح يستقبل يوميا العشرات من “البقشاشين” القادمين إلى محله الفسيح بعشرات الكيلوغرامات من المتلاشيات و“الخردة”، هم يسهرون الليل حتى الصباح ينبشون في القمامات ويبحثون عما يمكن أن يفيدهم في كسب رزقهم من بقايا الحديد والبلاستيك والزجاج حيث لا تعنيهم ملابسهم الرثة أو نظرات الناس.

حسن الريفي من مدينة القنيطرة، شمال العاصمة الرباط، يسمي العاملين معه في مجال البحث وسط ركام القمامة وأكوام الأتربة بـ“حماة البيئة”، موضحا لـ“العرب” أنهم أناس بيئيون، يصبحون ويمسون على مزابل المدن المغربية لتنقيتها وفرز ما بها من مخلفات تعرقل السير الطبيعي لمنظومة البيئة، وما قد ينتج عن متلاشيات الحديد من صدأ قد يتسبب مع الزمن في تلويث المياه الجوفية الصالحة للشرب، تلك المياه يقول عنها العلماء والباحثون من ذوي الاختصاص، إنها مياه قد تغدو شحيحة بفعل التلوث، وإن حمايتها والاقتصاد فيها، أضحيا اليوم ضروريين لاستمرار الحياة على كوكبنا.

ويقول حسن إن معاونيه “البقشاشين”، أناس صالحون بيئيون بالصدفة، يقومون بخدمة بيئية للمدن ومحيطها، إنهم أناس في نظره يقومون بعملية الحد من انتشار بقايا المتلاشيات المعدنية والبلاستيكية التي أثبتت البحوث والدراسات العلمية أنها مواد استهلاكية مضرة بالبيئة “إن لم يتم تجميعها في وقت محدد وتدفع إلى المعامل والمصانع المختصة لإعادة تصنيعها من جديد”، حسب رأي تاجر الخردة في القنيطرة.

الحظ يحالف حميد "البقشاش" مرة في مسيرته بين القمامة فوجد خاتما من ذهب أهداه إلى زوجته التي أكرمته بوجبة دسمة.

هذه المهنة لا تقتصر على الرجال فقط بل نجد أطفالا وشبابا ونساء يجوبون الشوارع، باحثين في حاويات القمامة على رزق يضمن لهم عيشا كريما في ظروف صعبة، متناسين الأسباب التي دفعتهم إلى ذلك. ويؤكد حميد “البقشاش”، وهو رجل في الخمسينات من عمره، أنه بالعمل مع حسن الريفي يقوم بشغل يومي منتظم، يمكنه من الحصول على ما ينفق به على عائلته المكونة من زوجته طامو وابنتيه سهام وحسنة، إنه “عمل شريف يغني الرجال عن مد أيديهم”، فذلك عيب مشين في نظر حميد الذي يؤكد أن رزقه مرتبط بما تجود به القمامة.

يبدأ حميد عمله مع منتصف الليل، قبل مرور شاحنة البلدية الموكول إليها أمر تجميع قمامات المدينة وتفريغها، حيث يلتقط بقايا قطع حديد وأكياس وقوارير بلاستيكية وقطع الزجاج المكسور، معتمدا في ذلك على قفاز جلدي سميك، يُلبسه يده اليمنى كي يقيه ما قد يعلق بها من وسخ القمامات والبكتيريا.

حميد ينطلق كل مساء متفائلا بالحظ وهو يخرج من داره حاملا كيسا على كتفه متجها نحو أطراف مدينة القنيطرة، فلربما قد يجد شيئا ثمينا غير الحديد والبلاستيك والزجاج، مثلما حالفه الحظ في ذلك المساء السعيد، عندما وجد خاتما من ذهب أهداه إلى زوجته طامو التي فرحت به كثيرا، ومن شغفها بالهدية أعدت له طبقا من الكسكس المغربي تكريما له.

وما عدا تلك الصدفة الذهبية، يضيف حميد، أنه لا يعرف العطل الأسبوعية، فهو يقضي الليل من منتصفه حتى الفجر باحثا في القمامات، وفي حدود الساعة العاشرة صباحا من كل يوم، يحمل ما عثر عليه على ظهره إلى محل حسن الريفي، حيث يزنها ليسلمه أجره نقدا، فيعرج حميد على السوق لشراء ما يحتاجه لغذاء أسرته في ذلك اليوم.

20