البكاء على الأهرامات

الأربعاء 2015/03/18

ذهبت إلى زيارة الأهرامات في الجيزة للمرة الأولى مع والدي عندما كنت في السابعة من عمري، وكانت تلك المرة الوحيدة التي دخلت خلالها هرم خوفو الأكبر، وشعرت برهبة وبرودة تسري في أوصالي وأنا أجتاز ذلك السلم الضيق الحلزوني المخيف نحو غرفة الفرعون الكبير.

ثم ذهبت إلى الأهرامات مرة أخرى قبل نحو ثلاثين عاما، ولكني اكتفيت بالتطلع إلى تلك المعجزة المعمارية من الخارج، وأخذت أتساءل كيف ترك لنا هؤلاء “الجبابرة” تلك المعجزة، ثم اكتفينا نحن بأن حولناها إلى مجرد وسيلة مبتذلة لارتزاق بعض من يمتهنون أعمالا بدائية مضحكة مثل مهنة “الترجمان”.

والترجمان هو الشخص الذي يمكنه أن يتحدث للسائحين عن ذلك الأثر العظيم وتاريخه، وإن لم يكن في الواقع يفهم شيئا مما يقوله، فهو لم يدرس الترجمة ولا اللغات ولا التاريخ، بل يحفظ الكلمات عن ظهر قلب وقد ورث المهنة -غالبا- عن آبائه وأجداده.

ولا أعرف ما إذا كان الترجمان لا يزال يمارس شطارته، لكن يقينا هناك الكثير ممن يرتزقون من وجود الهرم، سواء الذين يؤجرون الجمال للسياح أو يبيعون بعض السلع البسيطة، يريدون فرضها بالقوة عليهم، بل إن شرطة السياحة أصبحت تشارك أيضا -كما تقول شهادات الكثيرين- في عمليات الابتزاز.

عادت صورة الأهرامات بقوة إلى أفكاري، وأنا أقرأ المقال الممتع الموجع للكاتب السوري هيثم حسين في العدد الثاني من مجلة “الجديد” الشهرية الثقافية التي تصدر عن مؤسسة “العرب”.

والمقال كله مخصص للحديث عن القاهرة، وما حدث لها من تشوّه في كثير من الجوانب التي يعرفها المصريون جيدا، وخاصة عندما يتوقف الكاتب أمام الأهرامات ليقول: “أواسي صديقي المصري الذي ينزف حرقة وأسى على أحوال تاريخه وبلده، وهو يرى مشاهد الدمار والإهمال المحيطة بالأهرامات، وكيف أن محيطها تحوّل إلى أسواق في غاية البؤس والتدمير، بأنه لا بدّ من إدراك قيمة هذه الصروح لاحقا”.

“أواسيه وأنا أكتم خشيتي من دفعها للمحو والاندثار، أواسيه وأنا أتخيل الفراعنة يقفون على قمم أهراماتهم يندبون تاريخهم، في الحين أن الذي كان يفترض أن يراقبوا مجدهم الغابر متقدّما مستقبل بلادهم”.

أشعر وأنا أقرأ هذه الكلمات برغبة قوية في البكاء، خاصة عندما يستطرد الكاتب قائلا “ينعدم الحس الجمالي هنا، يحضر توجه ربحي فقط، التاريخ يتهاوى بأبشع تجلياته، الواقع يتقدم بأقسى أدواته، الحداثة تجتاح بكل توحشها، أبوالهول يرقد بائسا يناجي مهندسيه، ويبكي العبيد الذين أريقت دماؤهم في سبيل بنائه”.

ماذا يجب أن نفعل؟ كثيرا ما تخيلت وجود الأهرامات في بلد آخر مثل فيينا أو حتى برشلونة، كيف كانت ستبدو المنطقة التي تحيط بها، وكيف كان القائمون على الأمور هناك سيتعاملون مع هذا الأثر الجليل، بل وكيف كان سيتعامل معه أهل البلد أنفسهم؟

ثم أعود وأستنكر المقارنة، لكن دون أن أحيل كل شيء، كما يفعل الكثيرون عادة، إلى “الاستعمار” الذي أصبحنا نحمله كل تقاعسنا وخيباتنا وبلاوينا ونكباتنا، وهي دائرة مفرغة أصبحت تنجح في تفريغ التاريخ نفسه من مضمونه ومحتواه، اكتفاء بالرقص أو حتى بالبكاء على أنقاضه.

ناقد سينمائي من مصر

16