البكاء في حضرة دمية

الاثنين 2016/02/15

لا بأس أن يكذب الشعراء، فأجمل الشعر أكذبه، كما قالت العرب، الرسامون أيضا يكذبون، لمَ لا؟ فالرسم نفسه وهم.

الشعراء والرسامون يكذبون من أجل أن يكون العالم أجمل، لن يرى الناس عبر التاريخ ليلى إلاّ من خلال عيني قيس. أما فنسنت فان غوخ فلن يتخيّله أحد إلاّ من خلال صورته وهو مضمّد الأذن.

لا بدّ أن يكون هناك نوع من الأسطرة ليظل الشيء الذي نراه أو نسمع صوته موجودا بقوة إيحائه، كان الغزل كذبا ممتعا، كم كان التسلق إلى قبلة غوستاف كليمت ممتعا؟

يقول الشريف الرضي “وتلفت عيني فمذ خفيت/ عني الطلول تلفت القلبُ”، حين عثرت في المتحف البريطاني بلندن على القاعات السومرية صار قلبي يتلفت.

أيمكن أن يكون كل شيء من حولي حقيقيا؟ كل هذا الجمال كان قد وقع قبل ستة آلاف سنة، وأين؟ في الأرض التي لم أعد على يقين من أنها لا تزال موجودة لكثرة ما شهدته من القبح.

كنت حائرا، وأنا أنقل بصري بين المعروضات الثمينة، لم يكن في إمكاني التركيز على لقية بعينها، إلى أن وصلت إلى دمية سومرية كانت بحجم عقلة الإصبع.

حينها توقف الزمن، تلك الدمية تكذب، لم تكن ابنة ذلك الزمن الذي تشير إليه الرقعة التي ألصقت إلى جانبها، سأزعم كاذبا أنها أكثر حداثة من كل النحت الحديث. ومع ذلك، ما لفت نظري هو الشبه العجيب بين تلك الدمية وبين عدد من أهم منحوتات البريطاني الشهير هنري مور، مور لم يخف تأثره بالنحت السومري.

كنت في وقت سابق قد رأيت تمثاله “ملك وملكة”، وتذكرت دمية سومرية كنت قد رأيتها في المتحف العراقي، بين الأطلال كنت أفكر في المسافة التي تفصل بين قوة اليد وخبرة القلب.

كان قلب مور يتلفت وهو يتبع إرادة يده، التي سرقها شغفه بالدمى السومرية.. أما كان عليّ أن أجلس أمام تلك الدمية وأبكي؟

كاتب من العراق

16