البكاء وقوفا

الأربعاء 2014/02/19

بين الأدب والبكاء قرابة، لم تفسدها يوما مكائد الربح والخسارة، خسارة الأديب من عمره ولا خيبات القارئ في تقليب كتب رهن تفاصيلها للفرح، هي صلة صدق بكشف، أو خداع بصدمة، بكت آلاف الشخصيات في نصوص روايات وسير وأساطير,,, ، وكان بكائها أدبا صرفا، بديلا عن الكلام والوصف والإخبار، بل بديلا عن الاستعارة والمجاز، كان البكاء بلاغة قائمة بذاتها، بل كان البيان والسحر كله، وفي النهاية إذا انتقلنا من النصوص إلى حياتنا ككتاب وقارئين أوفياء لعقيدة الأدب، ما يمكن أن يعقب توحدا وجدانيا ألفينا فيه الحقيقة الموجعة، و إذا لم نحاول أن نجعل من الدموع فضيحة فهو أن نطلق العنان لفضفضة العين.

لكن ما يجعل الدمع يبدو غير رجولي أو على الأقل غير ناهض فهو محيط الأدب، الذي يحول عاطفة رفيعة إلى سقطة تجعل العموم يتمثلها كانتكاسة أو انهيار، أذكر هنا موقفين رئيسين، موقف امتزج فيه الأدب بلوعة السياسة وهو حين أفضت نتائج المؤتمر الثالث عشر لانتخاب مكتب مركزي لاتحاد كتاب المغرب قبل عقدين من الزمن إلى إسقاط "سعيد يقطين" من عضوية ذلك لمكتب، وإذا بالرئيس المنتخب أستاذنا "أحمد اليابوري"، يختزل كل الكلام السخي والمنصف والموجع في طراوة ماء العين المنهمر بسخاء...، لم يحاول حينها أن يداري دمعه ولا أن يتمحل له عذرا، لم يقل كلاما شارحا، كانت ابتسامته الوديعة تقول كل شيء، كان البكاء وقوفا بملء الصمت، ودون غواية مخاتلة. كما أذكر لحظة قراءة الشاعر نوري الجراح لأول مرة لشذرات من ديوانه "يوم قابيل"، وهو الديوان الملحمة التي تصهر كل جليد عاطفي قديم، كانت قراءته الناهضة والقاسية ببلاغتها في جلسة صفاء من معرض الكتاب بالدار البيضاء قبل سنة، رمقا أخيرا لجلسة غير متاحة للأقنعة، وإذا بالدموع تسلك السبيل الصعب، وفي لحظة وجدنا بعضنا نقف، وكأنما البكاء طقس رهن الباري بركته بالواقفين ، بقي من الجالسين المحرومون فقط، كان إدراكا غير معلن بأن الهاربين إلى اليباب لا علاقة لهم بالأدب، كان بكاء كريما لا يخدش وقارا.

تبادرت كل تلك الوقائع للذهن مع عشرات غيرها، وأنا أشاهد فيلما تسجيليا للمرحوم نصر حامد أبو زيد، ووصلت المشاهد التسجيلية إلى لحظة كان فيها ضيفا على لقاء أدبي في طنجة، أخذت اللقطات في جلسة العشاء، حين اختار المنظمون لولع مغربي أصيل أن تكون المؤانسة عبر عزف بارع لمقطوعات شيخ إمام، ، لحظتها كانت الدموع هي الأدب والموسيقى وشيخ إمام وأحمد فؤاد نجم ونصر حامد أبوزيد. في ذلك المشهد تحدث أبوزيد عن البكاء وقال، "لا أخجل من دموعي"، كنت لحظتها جالسا باسترخاء في فرجة بيتية حين تصورت أنه يجب أن أقف، لأن العدوى أصابت مني مقتلا.


كاتب من المغرب

15