البكالوريا شهادة عبور سياسية للحكومة المصرية في اختبار كورونا

وزير التربية والتعليم المصري يؤكد أن تأمين الدولة للامتحانات في موعدها يعكس قدرة الحكومة على التعامل مع الأزمات بشكل احترافي.
الاثنين 2020/06/22
هواجس مشروعة في حضرة كورونا

القاهرة - دخلت الحكومة المصرية الأحد اختبارا صعبا أمام الرأي العام، بعقد امتحانات الثانوية العامة (البكالوريا) وسط تذمر مجتمعي من إصرارها على عدم تأجيلها إلى موعد لاحق، تنخفض فيه معدلات الإصابات بجائحة كورونا.

تعتبر الحكومة أن إجراء الامتحانات في موعدها شهادة عبور في التعامل مع كورونا، بشكل يتم استثماره سياسيا للتأكيد على أنها مرت بالبلاد إلى بر الأمان، بدليل تأمين امتحانات قومية يتجمع فيها نحو 700 ألف طالب وطالبة، وحضور قرابة 300 ألف مراقب ومصحح وإداري، في وقت واحد.

ترى الحكومة أن قرار عقد الامتحانات أبلغ رسالة للتأكيد على حالة الاستقرار والهدوء في البلاد، والمرآة التي يمكن أن تعكس استعادة عافية قطاعات السياحة والاقتصاد، ودليل واضح على هزيمة الوباء، وبالتالي تبديد الشكوك التي راودت البعض حيال قدرة الحكومة على الانتصار في هذه المعركة.

جرت الاستعانة بمختلف المؤسسات الأمنية في الدولة المصرية، للمشاركة في تأمين الامتحانات من نواح مختلفة، بدءا من طباعة الأسئلة في أماكن سرية، ومرورا بتوزيعها على اللجان والمحافظات الحدودية بالطيران الحربي، وانتهاء بتخصيص أفراد شرطة وجيش في تأمين دخول وخروج الطلاب.

أكد وزير التربية والتعليم طارق شوقي في تصريحات خاصة لـ”العرب”، أن الدولة سخرت إمكانياتها لتأمين الامتحانات، وإجرائها في موعدها، ما يعكس قدرة الحكومة على التعامل مع الأزمات بشكل احترافي، ويبرهن على جدية إجراءات مواجهة كورونا، في وقت ألغت فيه دول كثيرة الامتحانات، أما في مصر فالأمور تمضي بشكل طبيعي، ويتم استكمال الدراسة إلكترونيا.

وأضاف شوقي أن التشكيك في نجاح الحكومة بالعبور بالبكالوريا تقف وراءه أطراف تستغل الوباء لتحقيق مآرب سياسية، وتقوم بتوظيف الاهتمام غير المحدود من الرأي العام بالامتحانات لتشتيت مؤسسات الدولة من خلال توجيه التركيز على إثارة الهلع ونشر الشائعات. رغم الإجراءات الأمنية والوقائية، ما زالت هناك قاعدة شعبية غير مطمئنة لوعود الحكومة بالحفاظ على سلامة الطلاب، حتى بعد تخصيص مليار و300 مليون جنيه لهذا الغرض (نحو 210 ملايين دولار)، لكن بعض الأطراف المناوئة للسلطة لعبت على وتر هلع الأسر من كورونا، ما ضاعف من وتيرة القلق المجتمعي.

يتم توزيع كمامة وقفاز وغطاء حذاء ومواد مطهرة على كل طالب ومعلم مراقب قبل دخول الامتحان مجانا، على أن تكون هناك مسافات للتباعد داخل القاعات، مع الاستعانة بطبيب وسيارة إسعاف في كل لجنة، ومنع أي شخص تظهر عليه أعراض كورونا من الدخول.

طارق شوقي: أطراف تعمل على تشتيت مؤسسات الدولة
طارق شوقي: أطراف تعمل على تشتيت مؤسسات الدولة

استثمرت أصوات معارضة مطالبة نقابة الأطباء الخميس، بضرورة تأجيل موعد الامتحانات، لتحريض أولياء الأمور على مقاطعتها كنوع من إظهار التمرّد على الحكومة وعدم الثقة في إجراءاتها، ما وضع المزيد من الضغوط عليها لتتجنب الأخطاء التي قد تثير غضب الشارع.

وأشارت نقابة الأطباء إلى أن إجراء الامتحانات في هذا التوقيت مغامرة محفوفة بالمخاطر، ومن المتوقع إصابة نحو ألف شخص يوميا بين طلاب وأفراد من أسرهم، والقطاع الطبي لن يستطيع تحمل تبعات هذا القرار، لكن الحكومة لم تتأثر.

وأكد أستاذ العلوم السياسية بجامعة حلوان (جنوب القاهرة) جهاد عودة، أن معارضة نقابة الأطباء لعقد الامتحانات وضع مسؤولية مضاعفة على الحكومة، لأنها مطالبة بإثبات صواب قراراتها، في ظل تربص قوى معارضة لأي ثغرة تتمنى الإخفاق. وأوضح لـ“العرب”، أن أزمة الحكومة أنها لا تجيد تسويق نفسها أمام الرأي العام، فهي اتخذت إجراءات صارمة لتأمين البكالوريا، ورغم ذلك هناك كثيرون لا يعرفون شيئا، ما يعكس أن لديها أزمة في احتواء الغضب ولو كانت على صواب.

وأشار عودة إلى أن الإصرار على الامتحانات يزيد ثقة العامة في أجهزة الدولة بأنها أصبحت أكثر استقرارا، ونجحت في محاصرة جائحة كورونا، لكن ذلك لا ينفي وجود نسبة مخاطرة سوف تجعل الحكومة تحت المجهر طوال الوقت، لأن ذلك اختبار صعب للغاية، لو تجاوزته ستحقق مكاسب كثيرة.

ويعتقد الأهالي أن المجازفة بنحو 700 ألف طالب وطالبة، قد يكون مغامرة، ما يحتم على الحكومة أن تفرض على نفسها حالة طوارئ لتجنب اهتزاز صورتها أمام الشارع.

يشكل ملف التعليم معضلة سياسية واجتماعية للرئيس عبدالفتاح السيسي منذ وصوله إلى رأس السلطة، فهناك غياب ثقة في إجراءات الحكومة المرتبطة باستراتيجية التطوير وإدارة الامتحانات، إما لغياب الوعي بحكم ارتفاع معدلات الأمية، وإما بسبب سقطات حكومات سابقة تركت أثرا سلبيا لدى الرأي العام.

وكثيرا ما تلجأ دوائر حكومية لاستخدام اسم السيسي في تمرير قراراتها الخاصة بالتعليم، بحكم ارتباط أي قرار بالملايين من الطلاب والأسر التي لا تقبل بأي بديل عن الاحترافية في التطبيق، فضلا عن أن اهتمامه الشخصي بهذا الملف، الذي يلامس الشارع بكل انتماءاته الطبقية.

تزج بعض الأصوات باسم الرئيس في عقد امتحان البكالوريا وسط كورونا للتأكيد على أهمية القرار، والذي يحمل رسالة إلى الشارع بأن يطمئن لوجود انضباط نابع من رقابة رأس الدولة للامتحانات، وكل مؤسسة تدرك أنها سوف تُحاسب على التقصير، فالامتحان سياسي بامتياز.

يرى مراقبون أن عدم إقناع الناس بالإجراءات واستحالة تأجيل الامتحانات أوجدا نوعا جديدا من المعارضة المجتمعية، وهي فئات بعيدة عن العمل الحزبي والسياسي لكن خطورتها في أنها بلا قائد، ولا تقبل أن تثبت الحكومة جديتها على حساب أبنائها.

يقول هؤلاء إن مواجهة هذا النوع من المعارضة ليس بالأمر السهل، خاصة إذا شعر الناس بأنهم كانوا على صواب عندما تمسكت الحكومة بموقفها، ولا يعني تآكل المعارضة السياسية أن الأحوال سوف تكون على ما يرام، في حال وصل إلى العامة أن الإجراءات المعلن عنها مجرد دعاية.

يصعب فصل الإصرار على إجراء الامتحانات عن خطة التعايش مع الوباء التي تجاهد الحكومة لإقناع الناس بها، كمدخل لعودة الحياة إلى طبيعتها والحدّ من الأزمة الاقتصادية، لأن استمرار الوضع الراهن سوف يفرض عليها اللجوء إلى جيوب الناس لتقليل حدة الخسائر.

قال أستاذ علم الاجتماع السياسي بجامعة الفيوم جنوب غرب القاهرة عبدالحميد زايد، إن “متخذ القرار في مصر كان بحاجة إلى موقف جريء وسط الأزمة ليكون مدخلا لإقناع المجتمع بحتمية التعايش مع كورونا، ووجدت الحكومة في امتحانات البكالوريا فرصة ثمينة لإثبات صعوبة أن تقف عاجزة”.

ولفت لـ”العرب”، إلى أن استعراض قدرة الدولة على مواجهة أزمة عالمية استدعى التمسك بعقد امتحان قومي بجميع مناطق الجمهورية في توقيت واحد، وهي مهمة ثقيلة، لكنها تحمل رسائل سياسية واقتصادية وأمنية وصحية مهمة.

2