"البلاد العجيبة" رواية لليافعين وحكايات للمحرومين

أدب الطفل نوع من الفن الأدبي يشمل مجالات مختلفة من النثر والشعر المؤلفة بشكل خاص للأطفال دون سنّ المراهقة، وقد بدأ تطور هذا النوع الأدبي خلال القرن السابع عشر في أوروبا، وأخذ يزدهر في منتصف القرن العشرين مع تحسين أنظمة التعليم في جميع أنحاء العالم، مما زاد من طلب المؤلفات المخصصة للأطفال بلغات مختلفة، والتي غالبا ما تكون كتابات موجهة بغية التربية والتعليم.
الأربعاء 2015/11/25
أساليب التعليم لا تحترم الطفولة عندنا

ضمن مشروعها “سلسلة أغصان الزّيتون” صدرت عن “مكتبة كلّ شيء” في حيفا بفلسطين المحتلة، قبل أيّام، رواية “البلاد العجيبة” لليافعين للأديب المقدسيّ جميل السلحوت.

وتقع الرواية الخياليّة التي صمّم غلافها وأخرجها شربل إلياس في 84 صفحة من الحجم المتوسط، ويتمحور موضوعها حول الحياة الرّغيدة والمتقدّمة في كوكب آخر غير الكرة الأرضيّة، تسوده المحبّة والسّلام، والحرّيات الشّخصيّة والعامّة فيه مصانة، لأنّ السّيادة فيه للنّساء.

طفولة ضائعة

وعن جديده الروائي هذا يقول جميل السلحوت لـ”العرب”: إن الرواية ترتكز على الخيال العلمي والتّفكير، وعن إمكانيّة وجود حياة متقدّمة على كواكب أخرى. حيث تحبّ امرأة من ذلك الكوكب طفلا مقدسيّا فتنعم عليه بالهدايا الثمينة، ثم تعشق والده وتريد أن تنجب منه طفلا، فتأخذهما معها إلى كوكبها. ومن هناك ينظرون إلى الأرض وتخبرهم المرأة أنّ سكان ذلك الكوكب يشاهدون الأرض ويعلمون ما يدور فوق سطحها، وتقول لهما “نحن نعلم أنّ بناة القدس هم اليبوسيّون العرب، وبالتّالي فإن المدينة مدينة عربيّة”.

وعن تجربته في مجال الكتابة للطفل والمتعة التي يجدها في كتابة مثل هذا النوع من الأدب، يقول السلحوت: إن الطّفولة ذبيحة في الوطن العربيّ، خصوصا في فلسطين، والعراق، وسوريا، وليبيا، والسّودان، واليمن، ومصر التي يبلغ عدد أطفال الشّوارع فيها مليوني شخص -حسب الإحصاءات الرّسميّة وغيرها- نتيجة الحروب العدوانيّة والاقتتال الدّاخليّ، ونتيجة للفقر وعدم وجود مؤسّسات رسمية تعنى بالأطفال والطّفولة. فالشّخص الذي لا يجد قوت يومه يستحيل عليه أن يشتري كتابا لطفله، وفاقد الشّيء لا يعطيه.

الكاتب عالج في كتاباته للأطفال كيفية الوصول إليهم وغرس قضية المطالعة في أذهانهم لتصبح سلوكا

أما بالنّسبة إلى تجربتي الشّخصيّة في الكتابة للأطفال، فقد كانت بداياتي في الانتفاضة الأولى، حيث كنت أعمل في الصّحافة، وما صاحب ذلك من سقوط مئات الأطفال شهداء، وإصابة الآلاف بجراح، أورثت كثيرين منهم إعاقات دائمة، بعضها يصل إلى درجة الإعاقة الحركيّة الكاملة. والكثير من هذه الحالات إمّا شاهدتها بعينيّ، أو سمعت أو قرأت عنها.

فهالني ذلك خصوصا وأنّني أحبّ الأطفال وأتعاطف معهم بشكل كبير بغضّ النّظر عن لونهم أو عرقهم أو دينهم، فللطفولة قداستها ومتطلباتها الإنسانيّة، وأطفال شعبي وأمّتي يستحقون الكثير، وهم محرومون من أشياء كثيرة، وطفلنا الفلسطينيّ يولد بيمينه شهادة ميلاده وفي يساره شهادة استشهاده تنتظر تعبئة التّاريخ.
ولشدّة تأثّري بما جرى ويجري لأطفالنا ألحّت عليّ فكرة المساهمة في الكتابة عنهم ولهم وهذا أضعف الإيمان، وكانت مجموعتي القصصيّة الأولى “المخاض” وجميعها عن أطفال الانتفاضة الأولى. وبعد ذلك انتبهت إلى الخرافات الشّعبيّة المخيفة التي يحكيها الأجداد والآباء لأطفالهم فتبعث الرّعب في نفوسهم فكتبت قصّة “الغول” لأبيّن للأطفال أنّ الغول مجرّد خرافة وأنّه غير موجود على أرض الواقع.

أدب الطفل

وعن كيفية الوصول إلى الطفل وهل من أسلوب خاص لكتابة موجهة للأطفال؟ يقول جميل السلحوت: عندما انتبهت لأساليب التّعليم التي تعتمد على التّلقين ولا تحترم عقليّة التلميذ سواء كان طفلا أو فتى، ألفت روايتي “عشّ الدّبابير” للفتيان. وبما أنّ صراعنا مع المحتلّ يرتكز على الأرض، فقد كتبت رواية “الحصاد” للفت انتباه الأطفال إلى أهميّة الأرض كمصدر للدّخل المحترم والعيش الكريم، ركّزت فيها على دور المرأة في الاقتصاد المنزليّ والذي لا ينتبه إليه الكثيرون.

كما عالجت في كتاباتي للأطفال كيفيّة الوصول إليهم وغرس قضيّة المطالعة في أذهانهم لتصبح سلوكا، فكانت روايتي “لنّوش” التي ستصدر خلال الأسابيع القليلة القادمة، وهي عن حفيدتي لينا ابنة ابني قيس، المولودة في شهر أغسطس 2015 بأميركا حيث يتعلّم ويعمل والدها.

جميل السلحوت
كاتب وروائي فلسطيني ولد في جبل المكبر بالقدس عام 1949 ويقيم فيه. وهو عضو مؤسس لاتحاد الكتاب الفلسطينيين، وعضو ضمن هيئته الإدارية انتخب في أكثر من دورة.

ويعدّ أحد المؤسسين الرئيسيين لندوة اليوم السابع الثقافية الأسبوعية الدورية في المسرح الوطني الفلسطيني والمستمرة منذ مارس 1991 وحتى الآن. وقد منحته وزارة الثقافة الفلسطينية لقب “شخصية القدس الثقافية للعام 2012”.

ومن أعماله القصصية والروائية للأطفال واليافعين والكبار، نذكر “المخاض” (مجموعة قصصية للأطفال)، القدس – 1989. “عش الدبابير” (رواية للفتيان)، كفر قرع – 2007. “كلب البراري” (مجموعة قصصية للأطفال)، القدس – 2009. “ظلام النهار” (رواية )، القدس – 2010.

“جنة الجحيم” (رواية)، القدس – 2011. “هوان النعيم” (رواية)، القدس – 2012. “برد الصيف” (رواية)، القدس – 2013. “العسف” (رواية)، القدس – 2014. “أميرة” (رواية)، القدس – 2014. “الحصاد” (رواية للأطفال)، رام الله – 2014. “زمن وضحة” (رواية)، حيفا – 2015. “رُولا” (رواية)، القدس 2015.

وقد كنت هناك فلفت انتباهي أنّ صديقة أميركيّة مسنّة لزوجة ابني جاءت تبارك بالمولودة الجديدة، وهديّتها كانت مجموعة قصصيّة عشرين جزءا للأطفال من عمر يوم واحد حتى عام. وهي مطبوعة بأناقة بائنة وبرسومات مفروزة الألوان، وبورق مقوّى كي لا يمزّقها الطفل، ومّما قالته: إنّ الأطفال يفهمون وإن كانوا لا يستطيعون الكلام والقراءة والكتابة، وإنّهم عندما يبلغون الثّالثة ستجدونهم قد فهموا هذه القصص؛ ليعودوا إلى قراءتها من جديد، وقد أثبتت الدّراسات أن الأطفال يفهمون ما يسمعون وهم أجنّة في بطن أمّهاتهم، وقد شاهدت ذلك بعينيّ مع حفيدتي لينا، حيث كان والدها وأمّها يسمعانها قطعة موسيقيّة عذبة للثّلاثي جبران، منذ كانت جنينا في شهرها السابع، وبعد ولادتها كانت تسمعها بإصغاء لافت، وعندما كنّا نضع لها وهي ابنة أسبوع قطعة موسيقيّة أخرى كانت لا تنتبه أو ترفضها بالبكاء. أقول ذلك لنتعلّم كيف نغرس ثقافة المطالعة في نفوس أطفالنا.

ولوصول الكتاب إلى الأطفال يجب أن يُدعم أدب الطفولة ليصل إليهم مجّانا أو بسعر رمزيّ، وقد عملنا في القدس على توزيع كتاب الطّفل على صفّ دراسيّ في أكثر من مدرسة، لتتمّ بعد ذلك مناقشة الطلاب له مع الكاتب في المدرسة. وقد أثبتت هذه التّجربة جدواها، وأصبحت المدارس تتنافس على شراء مئات النّسخ من كتب الأطفال لاستضافة كتابها ومناقشتها مع التّلاميذ في مدارسهم. كما أنّها شجّعت الأطفال على إنشاء مكتبة بيتيّة ليحتفظوا بالكتاب الموقّع من كاتبه، وصورة التلميذ مع الكاتب.

وبسؤاله عن واقع أدب الطفل في فلسطين المحتلة اليوم وخاصة في مدينة القدس؟ وعن الآفاق التي يمكن أن تنفتح أمام هذا الأدب في بلاده؟ يجيبنا قائلا: في فلسطين كما بقيّة العالم العربيّ نعاني من مشكلة النّشر، ومن عدم وجود رسّامين محترفين لكتب الأطفال، ومع ذلك لدينا مؤسّسات تعنى بأدب الأطفال مثل مؤسّسة “أوغاريت” و”تامر” و”البحيرة” في رام الله، مؤسّسة “الأسوار” في عكا، وقد صدرت عنها مئات الكتب. كما قامت مؤسّسة “دياكونيا السويديّة” بترجمة مئات القصص والرّوايات لمشاهير أدباء الأطفال في الدّول الأسكندنافيّة، وصدرت عن دار “المنى” لصاحبتها منى زريقات هيننج، ووزّعتها مجانا بآلاف النّسخ على المدارس في العديد من الدّول العربيّة، ومن ضمنها فلسطين.

وتصدر في القدس مجلة “غدير” للأطفال وهي جهد فرديّ لصاحبها خليل سموم، كما تصدر في رام الله مجلة “الزّيزفونة” عن جمعية تحمل ذات الاسم، والتي يديرها شريف سمحان.

ولدينا العشرات ممّن كتبوا ويكتبون للأطفال منهم على سبيل المثال لا الحصر، محمود شقير، وإبراهيم جوهر، ونزهة أبوغوش، وفاضل علي، ومحمد علي طه، ورفيقة عثمان، وأماني الجنيدي، وعلي الجريري، وأحلام بشارات، ويحيى يخلف، وماجد أبوغوش وآخرون.

15