البنايات الشاهقة تبتلع البيوت التاريخية في غزة

ثورة الإعمار تهدد تراثا معماريا يفوق عمره المئة عام.
الجمعة 2021/08/06
شاهدة على تاريخ المدينة

يعاني قطاع غزة المحاصر من أزمة سكن مع ازدياد الكثافة السكانية وتدمير المنازل جراء الهجمات الإسرائيلية ما فتح شهية المستثمرين لشراء البيوت التراثية وهدمها لبناء بنايات سكنية شاهقة ذات طوابق عديدة، وهذه الثورة في الإعمار تهدد التراث المعماري في مدينة غزة.

غزة (فلسطين) - بُني المنزل المتين في غزة منذ أكثر من 60 عاما، ومن الممكن أن يُهدم قريبا مع بلاطه المزخرف والمصاريع الخشبية التي نشأ بينها عدنان مرتجع، لإفساح المجال أمام مبنى شاهق لتعويض نقص المساكن في المنطقة.

ويقع العقار على بعد دقائق فقط من البحر في حي الرمال في مدينة غزة، لكن عدنان (69 عاما) قال إنه يحب المنزل الذي بناه والده، إلا أنه قرر بيعه.

وأضاف وهو يرتشف القهوة على مقعد في الحديقة المورقة “مازلت أرغب في زراعة المزيد من الزهور لتجميل هذا المنزل لكنني أمنع نفسي”.

وقال إن نحو عشرة مستثمرين محتملين اتصلوا به لشراء قطعة أرض لبناء مجمع سكني، لكن عروضهم كانت منخفضة للغاية حتى الآن.

وقال مسؤولون إن قطاع غزة الذي تبلغ مساحته 365 كيلومترا مربعا هو موطن لعدد متزايد من السكان ويحتاج إلى وحدات سكنية جديدة wلتحل محل المنازل التي دمرت خلال 11 يوما من القتال بين إسرائيل والمسلحين الفلسطينيين في وقت سابق من هذا العام.

وقال رئيس بلدية مدينة غزة يحيى السراج في مكتبه في وسط المدينة إن “العائلات تستمر في النمو. لدينا الآن 2.2 مليون شخص في قطاع غزة بمعدل نمو سنوي يبلغ 3.2 في المئة”.

وتعد غزة واحدة من أقدم مدن العالم، ويقدر عمرها بـ5 آلاف سنة. واليوم، لا يزال هناك حوالي 320 مبنى تاريخيا تشكل طابع المدينة، مما يعني المباني المحمية التي بُنيت منذ أكثر من 100 عام ويعود بعضها إلى عهد المماليك والإمبراطورية العثمانية.

هدم الملامح التراثية
هدم الملامح التراثية

وتحمي اللوائح المباني التي يزيد عمرها عن قرن من الزمان، لكن السراج قال إنها تتعرض للهدم من حين إلى آخر، على الرغم من التهديد بالملاحقة القضائية.

وأضاف أن المباني القديمة غير المحمية مثل منزل عدنان غالبا ما تُهدم لإفساح المجال لبناء هياكل جديدة أعلى.

وقال “بينما يبني البعض على أراض بيضاء، يهدم آخرون المباني القديمة لأن معظمها يقع في موقع مركزي ومتصل بالطرق والكهرباء والمياه”.

وتتنازل العائلات عن منازلها وأرضها أحيانا مقابل شقق مشيدة حديثا.

ومع بطالة تصل إلى حوالي 50 في المئة، قليلة هي العائلات التي تستطيع بناء منازل لنفسها أو دفع إيجارات باهظة.

وتقلل مثل هذه الصفقات من التكاليف الأولية للمطورين، فلسنوات، تخلفت أعمال البناء عن الطلب على المساكن الجديدة في غزة، حيث يصل عدد السكان إلى 70 في المئة من اللاجئين ويعيش العديد منهم في مخيمات، وتنتشر في الأفق هياكل نصف منتهية.

320 مبنى تاريخيا تشكل طابع المدينة يعود بعضها إلى عهد المماليك والإمبراطورية العثمانية

وقال العاملون في قطاع البناء إن ذلك يرجع جزئيا إلى تأثير الحصار الإسرائيلي الذي يقيد مرور الناس والبضائع، بما في ذلك مواد البناء، فضلا عن القيود التي تفرضها مصر.

ويستشهد البلدان بالمخاوف بشأن وصول الأسلحة إلى حماس، التي تحكم غزة.

وقال أبوإبراهيم لالمباياد، وهو مقاول يشرف على بناء مبنى مكون من سبعة طوابق ليس بعيدا عن منزل عدنان، إن “كل استيراد وتصدير يخضع لرقابة مشددة، وقد أثر ذلك على سوق الإسكان”.

ويمكن رؤية الناس في الشوارع وهم يرفعون القضبان المعدنية القديمة من المباني المدمرة، حتى يصنعون طوبا جديدا من تحت الأنقاض.

وعلى الرغم من التحديات التي تواجه الحصول على المواد والتمويل في غزة، قال السراج إن العمل في ما يقرب من 100 مبنى سكني جديد متعدد الطوابق بدأ خلال العام الماضي.

وتعرضت ظروف السكن في غزة إلى ضربة أخرى بسبب القتال الذي وقع هذا العام، والذي أسفر عن مقتل 256 فلسطينيا وتدمير أكثر من 2200 منزل.

وقالت حكومة غزة إن 37 ألف منزل آخر تضرر من جراء القصف الإسرائيلي خلال النزاع، وأن الوكالات الإنسانية تقدر تكاليف إعادة الإعمار الأخيرة بـ500 مليون دولار.

وقتل 13 شخصا في إسرائيل خلال وابل من الصواريخ التي عطلت الحياة وأجبرت أشخاصا على البحث عن مأوى جديد.

وقال عدنان إنه يأمل في بيع أرضه بنحو 1690 دولارا للمتر المربع.

وعلى الرغم من الحوافز الاقتصادية لبيع ممتلكاتهم لإعادة التطوير، فإن بعض أصحاب المنازل التقليدية المكونة من طابق واحد في غزة مصممون على الحفاظ على تراثهم المعماري.

على سبيل المثال يعيش المهندس المدني فيصل شوا (54 عاما) في المنزل الذي بناه جده (فيلا محاطة بالأشجار والحدائق) على الرغم من أن صيانته مكلفة.

وحطمت غارة جوية إسرائيلية قريبة النوافذ وصدعت الجدران في المنزل في مايو، على الرغم  من تحذير مسبق من أحد الجيران الذي تلقى مكالمة هاتفية من الجيش الإسرائيلي يعني أن الأسرة يمكن أن تخلي المنزل.

وكان المنزل قد بُني قبل حرب 1948 أي قبل تأسيس إسرائيل، والتي شردت أكثر من 700 ألف فلسطيني من الأراضي التي تقوم عليها الآن، وقد لجأ العديد منهم إلى غزة.

وقال فيصل إن “غزة كنز”، مضيفا أنه لن يفكر أبدا في هدم منزل العائلة، متابعا “سيبقى منزلنا دليلا على تاريخنا”.

20