البنا يمارس "الحزبية" وينادي بحل الأحزاب

الاثنين 2013/09/02
حسن البنا أنشأ الجماعة وأورث خلطا مزمنا بين الدين والتنظيم

مرت جماعة الإخوان في مصر بعدة مراحل: مرحلة حسن البنا منذ التأسيس عام 1928 حتى عام اغتياله عام 1949، ثم مرحلة لاحقة قامت أساسا على اختيار المرشد الثاني للجماعة وهو حسن الهضيبي، وكذلك في تقويم فترة الهضيبي بكل مراحلها سواء قبل ثورة 1952 أو بعدها حتى وفاته عام 1973. ثم المرحلة الأخيرة للجماعة بعد خروج قادتها من السجن بداية السبعينات، وحتى صدور الكتاب المذكور في 1989. ويمكن تلخيص هذه الأفكار النقدية في الفكر السياسي للإخوان في الآتي:

عند قيام الضباط الأحرار بحركة 23 يوليو عام 1952 كان نظام الأولويات وترتيبها لدى الإخوان غير واضح بالقدر الكافي.»

ويبدو أن القيادة السياسية للحركة تركز جهودها في محاولة التصدي للأحوال الطارئة أكثر من التخطيط للمستقبل، فجميع مؤسسات الحركة كانت غارقة في أعمالها اليومية، هذا الأسلوب في العمل يقلص إمكانيات التفكير المنهجي ذي المدى البعيد ويشجع على أسلوب حل كل مشكلة بعد نشوئها لا للاحتياط من نشوئها».

كان يجب التفرقة بين الدين كمعتقد وغاية التنظيم كحشد ووسيلة، وهذه النقطة بالغة الأهمية لإشكالية دور الدين في التنظيم والخلط بينهما وما يؤدي هذا الخلط من مخاطر جمة «ذلك أن الخلط الحاصل بين الاثنين في جماعة الإخوان صار أحياناً يؤدي إلى استعمال الدين كوسيلة بغية الحفاظ على التنظيم كغاية، وهنا يكمن الخطر على الدين والتنظيم والمجتمع السياسي الذي يتجاذبان فيه. الدين لا يمكن القبول بنقده، لكن لأن الخلط حاصل بين الدين والتنظيم صار أيضاً ليس مقبولاً نقد التنظيم وهنا يكمن الخطر».

كذلك كان منهج التفكير تبسيطي لدى كثير من الإسلاميين، وخطأ هذا التفكير في الوقت نفسه، مفادها وجود قناعة بأن هذا العالم يعيش في حالة فراغ فكري وروحي وقيمي وحضاري، وهم يظنون أن الحركة الإسلامية جاءت لتملأ هذا الفراغ وتسده، وهو يؤكد أيضاً «كذلك تنتشر بين الإسلاميين مقولة مؤداها أن العالم يعيش حالة من الفوضى الفكرية والثقافية والقيمية وأن الحركة الإسلامية مناط بها تصحيح هذه الفوضى ووضع الأمور في نصابها الصحيح».

فالعالم مكتنز ومزدحم بالأفكار والقيم، وهذا العالم ليس في حالة فوضى لكنه منظم ويحكمه نظام أيا كان رأينا فيه، وهذا النظام له قلب وله أطراف وفيه مشاريع عالمية تريد أن تحول بلاد العالم الثالث بما فيها منطقتنا إلى أتباع وتكون النتيجة هي حالنا الآن. ثم يختم النفيسي بشرح وتحديد الحلقة المفقودة في التصور الإستراتيجي للحركة فيقول: «إزاء ذلك يحق لنا أن نسأل ما هي نظرية الحركة الإسلامية وتصورها للخروج من دائرة التبعية هذه؟ وهذا ما نعتقد أنه يشكل الحلقة المفقودة في التصور الإستراتيجي للحركة أي غياب «النظرية المتكاملة» في السياسة الدولية والحراك الاجتماعي وتوزيع الثروة والتعايش مع القوى والأنظمة المتباينة والتي يعج بها هذا العالم المتحرك القلق المتحول».

ومن المعلوم أن «الجمهور لا يتحمس لمساندة أي تيار إلا إذا تحقق فيه شرطان: الأول أن يفهم الجمهور مقاصد التيار وأهدافه، والثاني أن يجد الجمهور لدى التيار حلاً لمشاكله الحقيقية التي يعاني منها.

لذا ينبغي على الحركة الإسلامية أن تعرض نفسها على الجمهور في صورة واضحة ومفهومة وميسرة، وعليها من جانب آخر أن تُجدد بعلمية وموضوعية مشاكل الجمهور- وفق معطيات الواقع لا وفق خيالات الحركة- وأن تطرح الحلول لها والقيام بتعبئة الجمهور وتحريكه لصالح الحلول التي تُطرح».

إن جماعة الإخوان المسلمين هي حزب بالمفهوم السياسي، ووفق التعريفات الأكاديمية لفكرة الحزب، وجاء في مقدمة الكتاب ثلاث ملاحظات نقدية لحسن البنا، منها ما يتعلق المتعلقة بفكرة الحزبية التي لم يوفق بها حسن البنا وهو عدم تقبله الدائم للحزبية والأحزاب مما يعكس لديه غياب النظرية المتكاملة لعلاقاته السياسية داخل مصر، ويؤكد البنا «في أكثر من رسالة وخطبة وحديث ومقالة أن الإخوان ليسوا حزباً من الأحزاب وأن الإخوان ينكرون على الأحزاب حزبيتها».ويقدم الكتاب سؤال: «أليست جماعة الإخوان حزباً؟ نعم إن الإخوان حزب، ليس في هذا انتقاص لدورهم النضالي الذي لعبوه في تاريخ مصر المعاصرة والإخوان حزب لأنهم اتحاد بين مجموعة من الأفراد بفرض العمل معاً لتحقيق الصالح القومي وفقاً لمبادئ خاصة (في هذه الحالة الإسلام) متفقين عليها جميعاً». ولم يكن مستساغًا- سياسيًا- أن يتحرك البنا في الأوساط السياسية داعيًا لإلغاء- نعم إلغاء كافة الأحزاب- ما عدا جماعته من الوجود في الساحة.

كانت هناك شبكة من الأحزاب السياسية الموجودة في مصر سبقت تشكيل جماعة الإخوان وكان لهذه الأحزاب أدوار سياسية خطيرة، ولتلك الأحزاب مؤسساتها وقواعدها الاجتماعية كالوفد مثلاً قد وصل للحكم أكثر من مرة، ثم إن دعوة البنا المضادة للأحزاب والحزبية قد وترت علاقاته السياسية معها رغم استعداد الأخيرة لقبول جماعة الإخوان كشريك سياسي في الساحة.

من الناحية الفكرية هناك خلط بين الدين والتنظيم، والمشكلة الثانية في (التنظيم الإسلامي) هذا التداخل الخطير والملحوظ بين الدين وأمره ونهيه من جهة، والتنظيم كأداة بشرية وأمره ونهيه من جهة أخرى، بحيث أن الحد الفاصل بين الدين كأمر رباني والتنظيم كأمر بشري لم يعد واضحًا بالنسبة للقاعدة العريضة من الأتباع وهذا أمر ينبغي توضيحه.

اختلاط هذا الأمر أضفى على التنظيم (وهو جهد بشري محض) اللبوس الديني بحيث يشعر العضو بـ(الإثم) لو خالف أمرًا تنظيميًا أو اعترض عليه، خاصة مع وجود بعض رجال العلم الشرعي الذين يسخرهم التنظيم في الدفاع عن تأويلاته وتخريجاته.

من بحث أبو العلاء ماضي 'تجربة حزب الوسط في مصر»، ضمن الكتاب 36 (ديسمبر 2009) 'مراجعات الإسلاميين الجزء الأول» الصادر عن مركز المسبار للدراسات والبحوث- دبي.

13