البنتاغون يعزز الصورة النمطية: المزيد من الحروب يعني المزيد من بيع السلاح

تساهم الاضطرابات التي تعصف بدول العالم، وخصوصا منطقة الشرق الأوسط، في زيادة منسوب التسلح وإعادة المسائل العسكرية لتتصدر سلّم أولويات الدول المعنية بتلك الصراعات التي تشكل منشطا رئيسيا لسوق السلاح في الولايات المتحدة، التي تستغل هذه الصراعات المساهمة في إشعال فتيل أغلبها، من أجل فتح أسواق كبرى لشراء أسلحتها.
الخميس 2015/11/26
أميركا لا تصنع عدوا إلا وتصنع سلاحه معه

واشنطن - يعلم المطّلع على السياسة الخارجية الأميركية أن ما قاله وزير الخارجية الأميركي الأسبق، هنري كيسنجر، في حوار صحفي يعود تاريخه إلى 2011-11-27 ، تعليقا على الوضع العالمي والاضطرابات في الشرق الأوسط “من لم يستطع سماع طبول الحرب فهو أصمّ”، لم يكن رأيا شخصيا بقدر ما كان رسالة لتهيئة العالم لما هو قادم ودعوة ضمنية لأخذ الاحتياطات اللازمة، والتي يتصدّرها الاستعداد العسكري والتزود بالسلاح.

ويتأكّد يوما بعد يوم صدق ما قاله ثعلب الخارجية الأميركي، فبعد خمس سنوات من هذا التصريح، تقرع طبول الحرب في كل مكان من أنحاء العالم، ويشتدّ صداها في منطقة الشرق الأوسط، التي تلتقي فيها كل الأزمات. والرابح الوحيد من كلّ هذا هي الولايات المتحدة الأميركية، وفقا للقاعدة التي تقول المزيد من الحروب يعني المزيد من بيع السلاح.

يؤكّد ذلك تقرير صدر أمس عن البنتاغون يقول فيه المسؤولون الأميركيون، إن وتيرة مبيعات السلاح الأجنبية ارتفعت 36 بالمئة في السنة المالية 2015 والمرجح أن تظل قوية خلال السنوات المقبلة، ليدعم هذا التقرير ما سبق وجاء في التقرير السنوي لمعهد ستوكهولم لأبحاث السلام والخاص بمتابعة سياسة الإنفاق العسكري في العالم، الذي لاحظ في نسخة العام 2015 طفرة خاصة وزيادة عامة في الإنفاق العسكري في الشرق الأوسط.

وتعتقد الولايات المتحدة الأميركية أن الحروب في منطقة الشرق الأوسط سوف تستمر لسنوات قادمة، ما يجعلها تقول على لسان مسؤوليها، إن توقعاتها لمبيعات السلاح في السنة المالية 2016 التي بدأت أول أكتوبر الماضي مازلت قوية وفي ارتفاع.

وكشف جو ريكسي، رئيس وكالة التعاون الأمني الدفاعي في البنتاغون، أن محاربة تنظيم الدولة الإسلامية والصراعات المسلحة الأخرى في العالم، تزيدان الطلب على الصواريخ الدفاعية وطائرات الهليكوبتر والذخائر الأميركية، في تغيّر عما كان عليه الوضع قبل عشر سنوات عندما كان التركيز ينصب على الطائرات المقاتلة. وقال إنه اتجاه عالمي يظهر مؤشر الطلب في أوروبا وفي المحيط الهادي والشرق الأوسط.

وقال إن الوكالة تنسق عن كثب أكبر مع وزارتي الخارجية والتجارة الأميركيتين ووكالات أخرى في البنتاغون للترويج لمبيعات السلاح الأميركية كأداة مهمة من أدوات السياسة الخارجية الأميركية.

الشرق الأوسط يدخل مرحلة جديدة من سباق التسلح
القاهرة - قال اللواء ممدوح عطية، الخبير الاستراتيجي، إن سياسات التسلح في الشرق الأوسط خضعت منذ منتصف القرن الماضي لمقتضيات الصراع العربي الإسرائيلي، إلا أن المستجدات التي تشهدها المنطقة دفعت باتجاه مراجعة خطط الدول العربية لاستيراد السلاح، حيث ظهرت شراهة شرائية لمختلف أنواع الأسلحة، بل إن بعض الدول العربية تفكر في شراء رؤوس نووية جاهزة لضمان أمنها.

وأكد عطية، في تصريحات لــ“العرب”، أن هناك من يدفع بالاتجاه نحو فكرة أن الاستقرار لن يتحقق إلا بمزيد من السلاح، وهو ما يرفع من نسق سباق التسلح، لا سيما في مجال الأسلحة النوعية التي تحقق قدرا من المناورة والتكتيك، في ظل الصراعات التي تشهدها المنطقة.

ولفت إلى أن ما تشهده المنطقة من صفقات الأسلحة التي أبرمت خلال الفترة الأخيرة، ليس إلا إعادة ترتيب للبوصلة في المنطقة حتى يتحقق التوازن الذي فقدته العديد من الدول العربية، بسبب محاولات تفكيكها أو بعد الاتفاق النووي الإيراني الذي أحدث تغيرا حول فكرة الحليف الأميركي.

وشدد على أن مفهوم الأمن الداخلي لأي دولة عربية بات مرتبطا بالكيان العربي بالكامل، وهو عنصر جديد ظهر في المنطقة بما يضمن إحداث عمليات مشتركة بين الدول العربية في مواجهة الأخطار المشتركة.

وفي تعليقه عن تقرير صدر أمس عن وكالة “إنترفاكس” الروسية، قالت فيه إن مصر تعتزم شراء كميات كبيرة من الأسلحة المتطورة من روسيا، وأن وزير الدفاع سيرجي شويجو أعطى توجيهات للخدمة الاتحادية الروسية للتعاون العسكري والتقني للاستجابة السريعة للطلبات المصرية لشراء الأسلحة، حيث قال الخبير الاستراتيجي إن مثل هذه الصفقات لا تأتي في إطار سباق التسلح كما يظن البعض، ولكنها تأتي في إطار تنويع مصادر السلاح، بعد الحظر النسبي الغربي والأميركي على توريد السلاح وقطع الغيار التي تحتاجها مصر في أعقاب ثورة 30 يونيو 2013.

سوق الشرق الأوسط

يرى خبراء في الشرق الأوسط أن تنامي الاضطرابات سيؤدي إلى المزيد من الطلبيات على آخر الأسلحة المتطورة وأحدث الأجهزة ذات التقنية العالية في الصناعات العسكرية بمختلف أنواعها، ليصبّ ذلك كله في سباق تسلّح متواصل، موازينه تحدّدها طبيعة الصراعات وتوزّعها الجغرافي.

وكانت إدارة أوباما قررت، سنة 2013، رفع المزيد من القيود على صادرات الأسلحة الأميركية للعالم، في أكبر إجراء لتحريرها في تاريخ الولايات المتحدة. ومع دخول هذا القرار حيّز التنفيذ حذر مسؤولون حكوميون سابقون ونقاد وحقوقيون من العواقب الخطيرة لسياسة الولايات المتحدة الخارجية على حقوق الإنسان على المدى الطويل، وقالوا إن فيضانا من السلاح سيغرق العالم على خلفية قرار بتحرير تجارة الأسلحة.

وأكد اللواء طلعت مسلم، الخبير الأمني، ومستشار أكاديمية ناصر العسكرية بالقاهرة، أن شركات السلاح تلعب دورا هاما على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، فالإدارة الأميركية تعتبر هذه الشركات بمثابة أداة اقتصادية مهمة لها، حيث يصب في النهاية جزء من نسب أرباحها في الخزينة الأميركية العامة من خلال الضرائب التي يتم جنيها من ورائها. وعلى المستوى السياسي، تسمح تجارة الأسلحة للولايات المتحدة بلعب دور استراتيجي في منطقة الشرق الأوسط.

وأضاف مسلم، في تصريحات لـ”العرب”، أنه لا يُخفى على أحد الدور الذي أصبحت تلعبه الولايات المتحدة في تأجيج الصراعات، من أجل إنعاش تجارة السلاح، مشددا على وجود علاقة طردية بين الحروب وتجارة الأسلحة، والتي تنتعش كلما تزايدت وتصاعدت الحروب في العالم، خاصة أن هذه التجارة تتجاوز قيمتها المليارات من الدولارات، سواء بشكل رسمي أو غير رسمي.

وأوضح أن هناك بؤر صراع استراتيجية قديمة لا تزال تتدفق عليها الأسلحة من جهات مختلفة، مضيفا أن الشرق الأوسط منطقة معروفة بالروّاج في الأسواق الدولية للسلاح، فهذه المنطقة أضحت مرتعا لبيع أنواع مختلفة من الأسلحة.

ولفت إلى أن منطقة الخليج العربي أصبحت سوقا رائجا للسلاح الآن، عقب صفقة إيران النووية مع القوى الكبرى، حيث هناك رغبات من قبل غالبية دول الخليج في عدم التهاون للدفاع عن نفسها وعدم الاكتفاء بمساعدات الحلفاء فقط.

طلبات متزايدة

يتوقع مسؤولون في الصناعة العسكرية الأميركية تلقي طلبات لشراء الآلاف من الصواريخ والقنابل وغيرها من الأسلحة أميركية الصنع خلال الفترة القادمة، وذلك من قِبل الحلفاء العرب الذين يقاتلون تنظيم الدولة الإسلامية، ويشمل ذلك كل من المملكة العربية السعودية والإمارات وقطر والبحرين والأردن ومصر بغية تجديد ترسانتها بعد أن أصبحت لاعبا رئيسيا في الحرب الدائرة بالمنطقة ضد داعش.

وتنظر الوكالة في 13500 طلب في المجمل بقيمة إجمالية تصل إلى 461 مليار دولار. وكان الإجمالي العام الماضي هو الأكبر حتى الآن بخلاف زيادة ترجع إلى بيع مقاتلات للسعودية في 2012. وتأخرت لبعض الوقت صفقة بقيمة ثلاثة مليارات دولار لبيع 28 مقاتلة “بوينغ إف/إيه-18 آي إف” للكويت وصفقة بيع مقاتلات إف-15 لقطر.

محاربة داعش والصراعات المسلحة الأخرى في العالم، تزيدان الطلب على الصواريخ الدفاعية والهليكوبتر الأميركية

وخلال الشهور القليلة الماضية عبرت شركات أميركية وبعض الدول عن إحباطها المتنامي لتأخير الموافقة على مبيعات الأسلحة. وتقول إن الحكومة الأميركية لم توسع قدرتها على النظر في صفقات السلاح رغم الزيادة الكبيرة في هذه التعاملات. وقال جيف كولر، نائب رئيس بوينغ لتنمية العمليات الدولية، إنه وزبائن شركته في الخليج يشعرون “ببعض الإحباط” بسبب تأخر الموافقة الأميركية على مبيعات المقاتلات.

وقال ريكسي إن وكالة التعاون الأمني الدفاعي تواكب الزيادة في طلبات مبيعات الأسلحة بتحسين عملية النظر فيها وتحسين التدريب، لكنه حذر من أن الخفض المحتمل في ميزانية البنتاغون قد يمثل مشكلة، وأضاف أن النظر في طلبات الدول “المهذبة” والتكنولوجيا الأميركية التي تحظى بالحماية يتم بسرعة لكن الحكومة الأميركية تستغرق وقتا أطول في بحث مبيعات السلاح للدول التي تملك سجلا أضعف في مجال حقوق الإنسان والتكنولوجيا، مشيرا إلى أن بعض ذخائر مخزونات الجيش الأميركي بيعت لضمان توفيرها للحلفاء بسرعة أكبر.

ويتصدّر هؤلاء الحلفاء، دول الخليج العربي ومصر، والتي تسعى إلى تنويع مصادر أسلحتها بعقد صفقات سلاح مع جهات أخرى غير الولايات المتحدة، حيث نشط ميزان الإنفاق العسكري بين دول الخليج وفرنسا من جهة، وبين مصر وروسيا وأيضا فرنسا من جهة أخرى.

وقال محمد قدري سعيد، رئيس وحدة الدراسات العسكرية بمركز الأهرام للدراسات الاستراتيجية، إن حجم مبيعات السلاح في المنطقة شهد طفرة هائلة لم تكن معتادة، لا من حيث الكم أو من حيث حجم التنوع في الأسلحة، بسبب ضخامة التحديات التي يمثلها الإرهاب في المنطقة، سواء إرهاب الدول أو إرهاب الجماعات والتنظيمات المتطرفة. وكشف، في تصريحات لــ”العرب”، أنه بعد ظهور داعش لاحظ الجميع زيادة طلبات شراء الآلاف من الصواريخ والقنابل وغيرها من الأسلحة أميركية الصنع، من جانب دول عربية عدة، منها السعودية والإمارات وقطر والبحرين، بهدف تجديد مخزونها الاستراتيجي. ويتوقع التقرير تواصل تصعيد وتيرة المواجهات الإثنية والعرقية ونسق الحرب على الإرهاب في المنطقة العربية وأفريقيا وآسيا وأوروبا وتحريض الأقليات العرقية على الانفصال وإقامة دول جديدة، بما سيوسع من تجارة الأسلحة الأميركية ويبقيها في ارتفاع.

7