البنك المركزي التونسي يعلن عجزه عن حماية الدينار

حمل أول ظهور لمحافظ البنك المركزي التونسي الجديد مروان العباسي أمام الإعلام، في طياته غيوما من التشاؤم بشان اقتصاد البلاد المتعثر، في ظل استمرار تعطل محرّكات النمو الاستراتيجية، الذي شتت تحركات الحكومة في تجسيد خطواتها الإصلاحية.
الجمعة 2018/03/09
ارتفاع الأسعار يقضم القدرة الشرائية

تونس - اعتبر محللون توقيت ظهور محافظ البنك المركزي التونسي مروان العباسي، الذي تراهن عليه الحكومة لإحداث اختراق في جدار الأزمة، مجرد محاولة لامتصاص الغضب الشعبي من السياسات الاقتصادية المتبعة، رغم تفاؤل المسؤولين بنجاحها.

وأقرّ العباسي في أول مؤتمر صحافي له أمس بعد تعيينه قبل أسبوعين على رأس المركزي بصعوبة حماية قيمة الدينار، في ظل التراجع المتسارع لاحتياطات البلاد من العملة الصعبة، والتي تبلغ، نحو 4.63 مليار دولار حاليا.

وأثرت الأوضاع الاقتصادية المرتبكة التي أعقبت الهجمات الإرهابية في عام 2015 على استقرار العملة المحلية، التي فقدت 20 بالمئة من قيمتها.

ووفق بيانات المركزي، فإن سعر صرف الرسمي للعملة المحلية في البنوك عند 2.43 دينار لكل دولار ونحو 2.97 دينار لكل يورو، لكنه يتجاوز ذلك في السوق السوداء، وفق ما قاله متعاملون وتجار لـ“العرب”.

وحتى الآن، لا تستهدف السياسة النقدية لتونس تخفيضا في قيمة العملة المحلية، كما أن الحكومة نفت مرارا نيّتها تعويم الدينار مع أن المسألة لا تزال تثير جدلا واسعا في الأوساط الاقتصادية.

ويؤكد المتابعون للشأن الاقتصادي التونسي أن رفع أسعار الفائدة قد تكبح جماح المستثمرين أكثر وخاصة الشركات الصغيرة والمتوسطة عند لجوئهم إلى الاقتراض.

وأشار العباسي إلى أن عجز ميزان المعاملات الجارية والمتمثلة، على سبيل المثال، في التصدير ومداخيل الاستثمارات والسياحة وتحويلات المغتربين، بلغ للمرة الأولى في تاريخ تونس نحو 10 بالمئة.

ولا تزال الحكومة تبحث عن حلول لعودة قطاع الفوسفاط الاستراتيجي مجددا للنشاط بهدف دعم خزائن الدولة بعوائد تصدير الإنتاج، والذي يفقدها نحو ملياري دولار سنويا.

وتأتي تصريحات العباسي بعد يومين من قيام المركزي برفع أسعار الفائدة بمقدار 75 نقطة أساس لتبلغ 5.75 بالمئة والتي ستدخل حيّز التنفيذ الاثنين المقبل، في قرار هو الأول منذ مايو الماضي، أكد أنه اتخذ بسبب المخاوف من خروج التضخم عن السيطرة.

وقال أمام الصحافيين في مقرّ المركزي إنه “لا يوجد أخطر من التضخم لأن مستواه المرتفع قد يضرّ بالاستثمار ونعلم أن القرار مؤلم لكنه ضروري”.

وبلغ التضخم في فبراير الماضي 7.1 بالمئة، مقابل 4.6 بالمئة بمقارنة سنوية، وذلك للمرة الأولى منذ قرابة ثلاثة عقود.

وتتوقّع مديرة استراتيجية السياسة النقدية بالبنك ريم القلصي أن يبلغ متوسط التضخم السنوي حوالي 7.2 بالمئة بنهاية العام الجاري ليتراجع إلى حوالي 6 بالمئة أو أقل بقليل بنهاية العام المقبل.

مروان العباسي: لا يمكننا حماية قيمة الدينار في ظل تراجع احتياطات العملة الصعبة
مروان العباسي: لا يمكننا حماية قيمة الدينار في ظل تراجع احتياطات العملة الصعبة

وتتفاقم محنة صنّاع السياسات المالية في تونس بين مواجهة ارتفاع التضخم وغليان الأسعار وبين حماية النموّ الاقتصادي الهش، في محاولات شاقة للصمود والابتعاد عن شبح الإفلاس غير المعلن، كما يقول محللون.

ورغم التدابير التي اتخذتها السلطات المالية لكبح جماح الواردات منذ نوفمبر الماضي بهدف معالجة الاختلال الكبير في الميزان التجاري الذي تجاوز سقف 6 مليارات دولار، إلا أنها لم تساعد حتى الآن في بروز نقطة ضوء في نفق الأزمة المظلم.

وقال وزير التجارة عمر الباهي أمام البرلمان الشهر الماضي إن “قيمة الصادرات بنهاية 2017 بلغت نحو 35 مليار دينار (14.4 مليار دولار) مقابل واردات بنحو 50 مليار دينار (20.6 مليار دولار)”.

وأوضح أن العجز التجاري يعود لارتفاع الواردات القادمة من تركيا والصين وروسيا، ما اضطر الحكومة للإعلان عن سلسلة إجراءات حمائية لوقف هذا النزيف، مؤكدا أن النتائج لن تظهر إلا بحلول العام المقبل.

ويبدو أن معاناة تونس لن تنتهي قريبا لا سيما مع تواصل الاقتراض الخارجي ومع الضغوط التي يمارسها صندوق النقد الدولي عليها لإصلاح اقتصادها المنهك من أجل الحصول على القسط المتبقي من قرض بقيمة 2.9 مليار دولار.

وكشف العباسي أن بلاده أحرزت تقدّما في المحادثات مع الصندوق بشأن الشريحة التالية من برنامج قرضها وتأمل بالحصول على تقييم إيجابي في وقت لاحق من هذا الشهر. وقال “نأمل أن يصدر صندوق النقد مراجعة إيجابية في الـ23 من مارس الجاري”.

وأظهرت الحكومة إصرارا على إدخال تغييرات جذرية في النمط القائم في نشاط المؤسسات المالية المترهلة، وفي مقدمتها البنك المركزي، بعد أن أثبتت فشلها وأدى لإدراج البلاد ضمن القائمات الأوروبية السوداء.

ويشكك خبراء في قدرة الحكومة على حسم معركتها مع تلك المؤسسات لأن يتطلب إصلاحا شاملا لجميع مفاصل النظام المالي الذي وصفوه بالحلقة الأضعف.

وواجهت تونس سلسلة من الصدمات منذ الأزمة المالية العالمية في 2008 ليشهد معدّل نموّها هبوطا في 2011، لكنه بدأ بالتعافي منذ 2014. وتتوقّع الحكومة أن نموا بنسبة 2.3 بالمئة هذا العام و3 بالمئة العام المقبل.

11