البنود السرية للاتفاق الروسي الأميركي تثير ريبة المعارضة السورية

تبدي المعارضة السورية توجسا تجاه الاتفاق الروسي الأميركي، الذي بقيت معظم بنوده طي الكتمان بحسب الرغبة الأميركية. وترى المعارضة أن العناوين الكبرى له تشي بأن موسكو نجحت فعلا في ترويض واشنطن، ودفعها إلى تبني رؤيتها لحل الأزمة.
الخميس 2016/09/15
فرحة مشوبة بالقلق

دمشق - تراوحت ردود أفعال المعارضة السورية بشقيها السياسي والعسكري، بين الرفض والتحفظ على الاتفاق الروسي الأميركي لهدنة في سوريا بدأ تطبيقها، الاثنين الماضي.

وقال السياسي السوري المعارض جورج صبرا، الأربعاء، إنه لا يثق كثيرا في أن الهدنة ستصمد لفترة أطول من هدنة سابقة حدت من القتال في سوريا مؤقتا هذا العام.

وتداعت تلك الهدنة التي أبرمت في فبراير على مدى أسابيع وتبادلت الأطراف اللوم في انتهاكها. وشدد صبرا “ليست هناك ثقة بأن هذه الهدنة يمكن أن تصمد أكثر من سابقتها”.

وأدى وقف إطلاق النار الذي بدأ العمل به، الاثنين، إلى تراجع كبير في أعمال العنف. ويسعى الاتفاق الأميركي الروسي إلى السماح بتسليم مساعدات إنسانية واستئناف المحادثات السياسية وصولا إلى إنهاء الحرب المستمرة منذ أكثر من خمسة أعوام.

وقال صبرا إن إصرار الحكومة على التحكم في مسألة المساعدات يعرقل إدخالها إلى حلب بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.

وأضاف “العقبات تتمثل في أن النظام مازال يصر على أن تدخل هذه المساعدات عن طريقه وبالتنسيق والتشاور معه. وهذا أمر غير مقبول… ونحن نطالب بأن يكون هذا الدور للأمم المتحدة”.

وأوضح أنه من السابق لأوانه الحديث عن أي استئناف لمحادثات السلام وأن الأمر يتوقف على تنفيذ البنود الإنسانية في قرار وافقت عليه الأمم المتحدة العام الماضي.

وأشار السياسي السوري إلى أن “كل المواعيد تعطى لاستئناف المفاوضات والعملية السياسية هي احتمالية وليست جدية أبدا”. وتابع أن “ما يعانيه هذا الاتفاق للحقيقة هو عدم وجود آليات عمل لتنفيذه على الأرض” وافتقاره لأي نظام لمعاقبة منتهكيه.

وفي وقت سابق أبدت فصائل في الجيش السوري الحر رفضها للاتفاق الروسي الأميركي، كما هو الحال بالنسبة إلى كبرى الفصائل الإسلامية على غرار جيش الإسلام وحركة أحرار الشام (اتهمتها موسكو الأربعاء بارتكاب معظم انتهاكات وقف إطلاق النار).

واعتبر متابعون أن مواقف المعارضة لا تتعلق بعدم الثقة بمدى التزام النظام السوري بالهدنة بقدر ما هي مرتبطة بالمخاوف من البنود التي تم التوصل إليها بين الروس والأميركيين والتي تصر واشنطن على إبقائها في كنف السرية.

جورج صبرا: كل المواعيد تعطى لاستئناف المفاوضات هي احتمالية وليست جدية أبدا

وتبدو ملامح الاتفاق الروسي الأميركي غير مطمئنة بالنسبة إلى المعارضة، حيث تظهر وكأنها تصب في صالح رؤية روسيا حليفة الأسد لحل الأزمة، كما ستشرع الباب أمام المزيد من التنازلات.

وتتبنى روسيا عملية مكافحة الإرهاب في سوريا قبل الانطلاق في بحث أي تسوية سياسية، وهو ما تم الاتفاق عليه فعلا مع الجانب الأميركي، الذي تراجع عن موقفه القائل بضرورة أن يتم السير في هذين المسارين بشكل متزامن.

وبحسب ما تم الكشف عنه في الاتفاق فإنه تم اتخاذ قرار بتنسيق عملياتي روسي أميركي لمواجهة الجماعات المتطرفة على غرار تنظيم داعش وجبهة فتح الشام (النصرة سابقا) ومن يدور في فلكهما، وذلك بعد نجاح هدنة الـ48 ساعة والتي ستعقبها هدنة أخرى لمدة خمسة أيام.

وأعاد ديمتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين، الأربعاء، التأكيد على أنه لا بد من فصل المعارضة المعتدلة في سوريا عن “الجماعات الإرهابية” من أجل تعزيز الهدنة.

النقطة الثانية التي تثير مخاوف المعارضة من الاتفاق هي تجاهل مسائل أساسية لطالما نصت عليها الاتفاقات الأممية السابقة، ومنها فك الحصار عن المدن وإيقاف سياسة التجويع وإطلاق سراح الآلاف من السجناء المعارضين لدى النظام.

وتتحفظ المعارضة على اجتزاء الإرهاب، حيث يغض الاتفاق الروسي الأميركي الطرف على العشرات من الميليشيات العراقية والأفغانية والإيرانية واللبنانية التي تقاتل لصالح النظام في سوريا، والتي تلاحقها تهم بارتكاب انتهاكات مروعة لحقوق الإنسان.

وترى المعارضة أن التفاهم لا يشير إلى ماهية عواقب مخالفة الهدنة، وتتساءل المعارضة هل إذا خرق النظام الهدنة ستتم محاسبته أم أن المحاسبة ستقتصر فقط على فصائل المعارضة.

وحاول وزير الخارجية الأميركي جون كيري، الأربعاء، تفنيد انتقادات المعارضة للاتفاق قائلا إن دونه كان العنف سيزيد بدرجة كبيرة.

وقال كيري في مقابلة مع برنامج “مورنينج إيديشن” في الإذاعة الوطنية العامة “إنها فرصة أخيرة للإبقاء على سوريا موحدة”، مضيفا “إذا فشلنا في الإيقاف الآن ولم نتمكن من الجلوس إلى الطاولة سيزيد القتال بدرجة كبيرة”.

وأضاف “ما هو البديل؟ هل البديل هو السماح لنا بالانتقال من 450 ألف شخص قتلوا إلى ألوف كثيرة أخرى (من القتلى)؟ أن يتم اكتساح حلب بالكامل؟ أن يوجه الروس والأسد ببساطة قصفا عشوائيا لأيام مقبلة وأن نجلس هناك ولا نفعل شيئا؟”.

ويقدر عدد قتلى الحرب السورية المستمرة منذ خمس سنوات بما يصل إلى 430 ألف شخص، كما شردت الحرب 11 مليون شخص في أسوأ أزمة لاجئين يشهدها العالم.

وكان مسؤولون كبار في الجيش والمخابرات في الولايات المتحدة قد وجهوا أيضا انتقادات للاتفاق قائلين إنه لا يمكن الوثوق بروسيا التي ستقدم لها الولايات المتحدة بمقتضى الاتفاق معلومات عن ضرباتها الجوية لمواقع المتشددين. وشدد كيري على أن الاتفاق يحظى بتأييد أوباما الذي اجتمع معه الثلاثاء.

وقال وزير الخارجية الأميركي إن المعارضة المعتدلة التي تدعمها الولايات المتحدة وحلفاؤها في الخليج كانت في الجانب الخاسر أمام القوات الحكومية التي تتلقى المساندة من روسيا.

ولا يتوقع محللون أن تريح تصريحات كيري بال المعارضة والفصائل الإسلامية خاصة، وقد بدا واضحا من خلال تصريحات الجنرال فيكتور بوزنيخير من رئاسة أركان القوات الروسية، واتهاماته لحركة أحرار الشام (كبرى الفصائل الإسلامية في سوريا) بارتكاب معظم انتهاكات وقف إطلاق النار، أن موسكو تضع الحركة نصب أهدافها القادمة.

2