البنوك التونسية ترفض تمويل الحكومة استباقا لمعركة الإصلاحات

تزايدت المؤشرات على أن البنوك التونسية بدأت تحشد جهودها لمواجهة محاولات الحكومة إصلاح النظام المصرفي، وذلك بعد أن أكدت تسريبات رسمية أن المصارف وبضمنها الحكومة قد ترفض تمويل الحكومة. ويرى البعض في ذلك أن المصارف تحاول أن “تتغدى” بالحكومة قبل أن “تتعشى” بها.
الاثنين 2018/01/22
مطاردة الحلول المفقودة

تونس – كشفت تسريبات رسمية أن المصارف التونسية رفضت طلبا من الحكومة للحصول على قرض عاجل لسد ثغرات مالية في الصناديق الاجتماعية تهدف إلى توفير سيولة لتأمين رواتب المتقاعدين لشهر يناير الجاري.

وذكرت تقارير محلية نقلا عن مصادر مطلعة أن وزارة المالية تقدمت بمناقصة في وقت سابق هذا الشهر للحصول على تمويل بقيمة 150 مليون دينار (نحو 61 مليون دولار)، لكن طلبها لم يُقبل، في سابقة نادرة الحدوث.

ويبدو أن البنوك المحلية التي تمر بأزمة كبيرة، تحشد جهودها لمواجهة مساعي الحكومة لإصلاح النظام المصرفي من خلال العدول عن الاستجابة لمثل هكذا طلبات في ظل الظروف الراهنة.

ويعاني القطاع المصرفي من غياب الحوكمة التي تنشر الفوضى والترهل الذي أدى إلى ضعف كفاءة المصارف وحوّلها إلى عائق كبير بدل تحريك النشاط الاقتصادي في جميع القطاعات.

وتصاعد الجدل مرة أخرى بشأن تباطؤ وتيرة إصلاح القطاع وتكرار مسلسل التأجيلات وسط انتقادات الأوساط المالية لتراخي الحكومة في وضع استراتيجية واضحة لإعادة تنشيط دور النظام المصرفي الذي يعاني من فوضى امتدت تداعياتها إلى جميع القطاعات الاقتصادية.

6 مصارف من أصل 24 مصرفا في تونس تستأثر لوحدها بنحو 70 بالمئة من النشاط المصرفي

ويرى خبراء ومصرفيون أن غياب الرؤية المستقبلية والإرادة السياسية بشأن إصلاح القطاع المصرفي يبدد فرص تعزيز الاستثمارات رغم ترسانة القوانين والحلول والدراسات التي لا تجد طريقا إلى أرض الواقع.

وتشير دراسة أعدها الخبير المالي الدولي حبيب كراولي إلى أن القطاع المصرفي يحتاج إلى إعادة هيكلة شاملة تتضمن إصلاحات تؤدي إلى دمج المصارف العاملة في البلاد في 3 فئات فقط.

ويرى الخبير التونسي أن وجود 24 مصرفا يكشف ترهل القطاع عند المقارنة بأوضاع ما تم في دول في المنطقة عدد سكانها أضعاف سكان تونس، خاصة أن 6 منها فقط تستأثر بنسبة 70 بالمئة من النشاط المصرفي في السوق.

ففي مصر التي يبلغ عدد سكانها تسعة أضعاف سكان تونس لديها 24 بنكا، في حين يوجد في المغرب والذي يبلغ عدد سكانه أربعة أضعاف سكان تونس 18 بنكا فقط.

وتواجه تونس صعوبات اقتصادية في ظل معدل تضخم مرتفع وعجز تجاري خارجي فاق كل الحدود تسبب في امتصاص جزء من الاحتياطات النقدية وانعكس في نهاية المطاف على نشاط البنوك.

وأوضح كراولي الرئيس المدير العام لـ”كاب بنك” وهو بنك استثماري تونسي يقدم الخدمات الاستشارية للشركات أن معظم البنوك تشكو من صعوبات هيكلية وشح كبير في السيولة النقدية ولولا تدخل البنك المركزي لواجهت صعوبات أكبر أو كان مصيرها الإفلاس.

ولفت إلى أنه لا يوجد بنك برأس مال تونسي بالكامل قادر على مرافقة مستثمر تونسي خارج البلاد، كما أن معظمها ما عدا اثنين منها تشكو من ضعف كبير في الموارد الذاتية ويتوقع أن يؤثر هذا العجز مع صدور التصنيفات الدولية الجديدة.

وانعكست الوضعية السيئة للبنوك طيلة السنوات السبع الأخيرة، وفق محللين، على تصنيفاتها الإقليمية والدولية إذ لا يوجد أي بنك محلي ضمن أفضل 50 بنكا في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا.

ويعتبر بنك تونس العربي الدولي (بي.آي.أي.تي) من أفضل البنوك في تونس إلا أنه يأتي في المرتبة الــ57 أفريقيا والمـركز الـ87 بين أفضل مئة بنك في الشرق الأوسط وأفريقيا.

ويؤكد كروالي أنه في ما يتعلق بقيمة أصول البنوك وخاصة الديون المصنفة أي الديون التي من الصعب استرجاعها فإن معدلها مرتفع للغاية وقد تضررت منها البنوك الحكومية الثلاثة بشكل بالغ.

وتواجه الشركة التونسية للبنك والبنك الوطني الفلاحي وبنك الإسكان مشكلات مالية كبيرة بسبب ارتفاع الديون المسجلة أو المشكوك في استرجاعها. ولا توجد إحصائيات رسمية حول وضعيتها الحالية.

وزارة المالية طلبت 61 مليون دولار لتأمين رواتب المتقاعدين لشهر يناير لكن البنوك رفضت التمويل

وما يزيد وضعية المصارف سوءا هو مساهمة الدولة في 15 بنكا من مجموع البنوك العاملة بالبلاد، وهو ما ينتقده الخبراء الذين يرون أن تواجدها في هذا الكم من البنوك ليس له فائدة.

ويجمع اقتصاديون على أن القاعدة الأساسية في استراتيجية الدول هو أن تكثف عملياتها في بنك واحد حتى لا تضيع الاستثمارات في مجموعة واسعة من المؤسسات المالية وبالتالي تشتت قوتها.

ويؤكد كراولي أن تونس بحاجة اليوم إلى ذراع مالية قوية تساعد في عمليات التنمية الاقتصادية عموما وتطوير النظام المالي والمصرفي على وجه التحديد على غرار الصناديق السيادية المنتشرة في العالم لا سيما في دول الخليج كالسعودية والإمارات حتى رغم قلة الموارد المتاحة.

وأثبتت الأزمة العالمية في عام 2008، مدى قدرة العديد من الدول حول العالم مثل بريطانيا والولايات المتحدة على إدارة المخاطر، حيث قامت بضخ أموال في البنوك المتضررة تفاديا لإفلاسها وبالتالي منعت حدوث كارثة في قطاعها المالي.

وانعكست الأوضاع التي تعيشها 13 ولاية بتونس منذ سبع سنوات على الاستثمارات، حيث أغلقت العديد من الشركات أبوابها بسبب غياب استراتيجية واضحة من الدولة وضعف البنية التحتية رغم ترسانة التشريعات التي تحفز المستثمرين.

ولطالما يعتبر كراولي كغيره من خبراء الاقتصاد بتونس أن هذه العوامل طاردة للمؤسسات المالية إذ لا يمكن أن يشجعها هذا المناخ على افتتاح فروع لها في تلك الولايات لتسهيل نشاط المستثمرين.

وشدد على أن الدولة هي من يقود قاطرة الاستثمارات ولذلك فإن عليها رسم الاستراتيجيات الاقتصادية بعيدة المدى وتقوم بتحيينها كل عشر سنوات عبر اعتماد خطط جديدة تتلاءم مع ما يحدث من تطور على كافة الأصعدة.

ويبدو أن تأخر البنوك في رقمنة نشاطها يعد مشكلة خطيرة تسببت في ضعف النظام البنكي بشكل عام إذ ظهرت بوضوح في السنوات السبع الأخيرة وهذا العامل يفاقم من مشاكلها إذا ما وُضع في عين الاعتبار جنوح الزبائن لاستخدام التكنولوجيا في تعاملاتهم اليومية.

وقال كراولي إن ذلك “يضع البنوك على طريقين لا ثالث لهما وهو إما سلك طريق التطوير من أجل المنافسة مستقبلا وإما مآلها الزوال”.

ويلقي خبـراء بالمسؤولية على الحكومة في انفجار الاحتجـاجات الشعبيـة خـلال الآونة الأخيرة بسبب تلكؤها المستمر في توظيف ما لديها من أدوات لتحسين الأوضاع من أجل الخروج من حلقة الأزمات الاقتصادية المغلقة.

11