البنية العقلية السياسية العراقية في صراع بين الحداثة والرجعية

الخميس 2013/12/19
تراجع الإنتاج الثقافي للنخبة المثقفة من أبناء الطبقة الوسطى ذات التقاليد الحضرية

لاشك في أن الصراع بين البداوة والحضارة من الظواهر المؤثرة في بنية المجتمع العراقي الثقافية خلال التاريخ، ولاسيما في بنية عقليته السياسية، إذ يعكس شكلين متناقضين، لكل منهما مساره واتجاهه الخاص، بحيث تنعكس أثاره النفسية والأيديولوجية، دائما على رسم خارطة بنية الفكر السياسي فيه، فالعراق مهد الحضارات الإنسانية، وفيه شرع أول قانون ينظم الحياة، وبقي العراق الحضري مستمرا في وجوده، حتى في الأزمات العميقة التي تعرض لها خلال غزوات البدو على مدنه أو في فترات الانحطاط إبان الغزوات الأجنبية، هذه الاستمرارية نجدها في كل لحظة من لحظات حياة المجتمع العراقي، ويمكن القول إن وصف العراق بأنه بلد الجدل ينبع من هذه الفرضية أو المقولة المستوحاة من واقع الشخصية العراقية أو بنية العقلية العراقية.


تقدم العشيرة وتراجع الحضرية


لا يمكن النظر إلى الفترة التي أعقبت اختفاء أو ضعف الحضارات العراقية القديمة، على أنها فترة فارغة أو أنها لم تسد بإنجاز حضاري، إنما أنتجت تواصلاً حضارياً، أضفى خصائص ميزت الشخصية الحضارية على طول الزمن عن غيرها في محيطها الإقليمي، رغم ما يهدد حضريتها من غزو من الصحراء بين فترة وأخرى، ويمكن في هذا السياق طرح الفرضية التالية “إن وجود دولة الحيرة العراقية بعد غياب الحضارات القديمة قد شكل بشكل أو بآخر عملية استمرار الحضارة في مدنه على الرغم من تربص المتربصين بها من البادية”، وفي المرحلة الحالية، تتكرر الظاهرة لكن بسياق حدثي آخر، يحمل نتائج تردي الحضرية نفسها نسبياً، وبروز عنصر العصبية في أشكال من المجموعات التقليدية المعتمدة على العصبية أو على العصبيات المتعددة، إذ تعرض المجتمع إلى ظروف صعبة غاب خلالها القانون، وتراجعت الحضرية والإنجاز، وتعرض المجتمع إلى مخاطر حقيقية، منها بروز القوى العشائرية والطائفية، حتى تفاعل على الساحة السياسية والثقافية العراقية، جدل واسع عن مدى قدرة العشيرة على المساهمة في تعزيز وحدة المجتمع العراقي مع تنامي الطائفية السياسية فيه، الأمر الذي يقود إلى إثارة التساؤل الآتي: هل يؤثر هذا المتغير المتفاعل في الساحة السياسية العراقية اليوم على مستقبل الاتجاه الحضري فيه؟

المالكي يناور استعدادا للانتخابات
لندن - يحاول الإسلام السياسي الحاكم والمتنفذ في العِراق تغيير لعبته الانتخابية هذه المرة، فبعد أن كان في الانتخابات الأولى والثانية واثقاً من الفوز عبر وحدته، إلا أنه في هذه الانتخابات وهي الثالثة لا يجد نفسه سيفوز بالأغلبية، التي تمكنه من الهيمنة على البرلمان، لذا لجأ على ما يبدو إلى افتعال الأزمات في ما بينه، كتلة دولة القانون (نوري المالكي) وكتلة المواطن (عمار الحكيم)، وكتلة الأحرار (مقتدى الصدر)، وبعد الانتخابات تتوحد هذه القوى وتكسب القائمات الصغيرة السائرة في المدار نفسه.

فبعد التقارب بين الأحرار (القسم الكبير من التيار الصدري) وكتبة المواطن (القسم الأكبر من المجلس الأعلى) ظهرت تصريحات بالعودة إلى التكتل الشيعي، بعد أن تصاعدت نبرة الخلاف بين مقتدى الصدر ونوري المالكي إلى حد التوهم بأنه لا رجعة فيه.

من جانب آخر ظهرت التحركات الطائفية صارخة في الإعداد لهذه الانتخابات، وذلك بعد فرط عِقد القائمة العراقي، التي فازت في الانتخابات السابقة ولم تحصل على استحقاقها الانتخابي، بعد أن أصدرت المحكمة العليا المقربة من نوري المالكي قرارا في تفسير مادة الدستور الخاصة بالكتلة النيابية التي تُشكل الحكومة. ولتجنب بقاء “القائمة العراقية”، التي تعبر إلى حد ما عن وحدة وطنية، عمل نوري المالكي طوال ولايته الثانية على تفكيك هذه القائمة، بالإغراء والإرهاب، فمن يوم تسلمه منصب رئاسة الوزراء كانت مهمته إزالة هذه القائمة.

إلى جانب ذلك، تعمل إيران كل ما في وسعها في سبيل المحافظة على التكتل الشيعي، وأن تكون رئاسة الوزراء بيد الإسلام السياسي، فهي الآمر الناهي على الأحزاب والمنظمات الشيعية السياسية، إلى جانب حضورها في بعض مناطق إقليم كردستان العراق، وربما لا تتمسك هذه المرة بنوري المالكي لكنها لن تسمح بخروج أهم منصب في العراق، وهو رئاسة الوزراء عن دائرة تأثيرها، كالاتفاق مثلاً على حكومة تكنوقراط، في حالة توصلت القوى السياسية إلى القناعة بحل لإنهاء أزمة البلاد التي صارت عصية على الحل.

الإجابة عن ذلك، تحتاج إلى وقفة وتحليل علمي لدور العشيرة باعتبارها مجتمعا أهليا، قام بوظيفة مهمة إزاء الأزمة التي عصفت بالبلاد بعد 2003، وحاول إعادة التوازن إلى المجتمع الذي تعرض إلى هزات عنيفة، ما جعل دوره السياسي يتعاظم، حتى أصبح حضوره يتفاعل كل لحظة، في وقت تراجعت فيه الحضرية إلى حد كبير، ولاشك في أن هذا التراجع له تاريخه، الذي يعود إلى التخلخل الذي أصاب الطبقة الوسطى منذ ستينات القرن العشرين، حين هاجر كثير من أبنائها إلى خارج البلاد، ولم تعد هناك طبقة وسطى تقدم أبناء مجددين يعملون على ارتقاء الفكر والثقافة والفن والتقاليد الحضرية المميزة، ترافق بناء دولة عصرية مدنية.

ولعل أبرز الأسباب الرئيسة لذلك التراجع، هو استيلاء بعض العسكريين ذوي الامتداد الريفي على مقاليد الحكم في العراق، ولاسيما بعد 1958 وحتى بداية المد الطائفي السياسي في الوقت الحاضر، مما رسخ تقاليد العشيرة وسننها، وأصبحت في نظر البعض المنقذ من تهديد خطر التقسيم.

ومع هذا، فالمسألة لا تزال تثير الكثير من القلق في أوساط دعاة الدولة المدنية، بسبب غياب التحولات الهيكلية الصناعية، وعدم قدرة المدينة العراقية على استيعاب أعداد المهاجرين الريفيين وإدماجهم في نسيجها الاجتماعي خلال الفترات الماضية وحتى الوقت الحالي، وبقاء الجماعات الريفية محافظة على تركيبها القرابي، مكونة بذلك مجتمعات محلية ذات طابع ثقافي ريفي متداخل مع ثقافة المدينة، والأخيرة تتعرض اليوم لتحديات حقيقية تهدد نمط حياتها الحضرية، لاسيما مع تصاعد الاصطفاف الطائفي الذي فرضته ظروف المرحلة الحالية فرضا وليس اختياراً، فتراجع ذلك النمط الحضري الذي كان له تفاعل مشهود مع حركات فكرية وأدبية وفنية وثقافية خلال تاريخه الحديث، كذلك يعود لذلك التواصل الفضل في رسم ملامح شخصيته الحضرية التي تختلف تماما عن نمط الشخصية الريفية المعتزة بتنظيمها العشائري.

ومع تزايد نبرة الأصوات الريفية في المحافل السياسية في البلاد منذ ستينات القرن الماضي حتى الوقت الحاضر، بعد أن انكمش دور الطبقة الوسطى في الحياة الثقافية والسياسية، انعكس الأمر على بنية الفكر السياسي نفسه.

تعرض المجتمع العراقي إلى ظروف صعبة غاب خلالها القانون، وتراجعت الحضرية والإنجاز، وتعرض المجتمع إلى مخاطر حقيقية، منها بروز القوى العشائرية والطائفية


إشكالية الصراع بين البداوة والحضارة


التساؤلات التي يمكن إثارتها في هذا السياق هي: ما هي الآليات التي يستطيع بها الفكر السياسي العراقي الخروج من قوقعته، والتفاعل مع المتغيرات المؤثرة في صنع حضارة الألفية الثالثة؟ وهل إمكانية تحقيق ذلك كفيلة بجعل الصيرورة الحضرية العراقية تأخذ خطها الارتقائي في تحقيق العدالة الاجتماعية ومساواة المواطنين أمام القانون تطبيقياً، كما يحصل اليوم في إنكلترا مثلا؟

لاشك في أن النتائج المترتبة على إشكالية الصراع تلك، لها انعكاساتها على التوجهات الحضرية في العراق، إذ انعكست سلبا على غياب التنظيم الطبقي وتراجع الإنتاج الثقافي للنخبة المثقفة من أبناء الطبقة الوسطى ذات التقاليد الحضرية، وبالتالي انعكاس ذلك على تراجع الفكر السياسي، نتاج تلك الطبقة.

ولاشك في أن ذلك قد ترك آثاراً خطيرة في ضعف فرصة نجاح الحكم المدني بشكل يرضي طموح المواطن العراقي، حتى إذا ما حلت الظروف الحالية بطابعها الثقافي والسياسي الذي لم يتمكن من الارتقاء مجدداً بالواقع السياسي العراقي نحو مصاف المجتمعات الطامحة إلى إقامة الدولة المدنية، لاسيما مع تنامي النفس الطائفي بين الأطراف السياسية المختلفة على الساحة السياسية العراقية في المرحلة الحالية، والتي لم تتمكن من الارتقاء إلى مستوى طموح المواطن في إقامة الاستقرار المطلوب، بعد سنوات طويلة من الحكم الشمولي، ويمكن الإشارة من باب التحليل إلى أن تلك النظم الشمولية نجحت في أقامة المؤسسات اللازمة لاستمرارية مرافق الحياة المختلفة، لكنها فشلت في إدارة التنوع الثقافي في البلاد.

أما الحالة العراقية اليوم فإنها فشلت في إقامة دولة المؤسسات وإدارة التنوع الثقافي معاً، ولعل في هذه النقطة تكمن إشكالية بنية العقلية السياسية العراقية في المرحلة الحالية، بفعل الصراعات الداخلية والتدخلات الإقليمية في شؤون البلاد، فضلا عن غياب المشروع الحضاري العراقي، مما جعل خطر التقسيم يهدد كيان الدولة، الأمر الذي أفضى إلى تفاعل الرأي الذي يرى في العشائر العراقية بمختلف مشاربها قدرة فائقة على درء ذلك الخطر، فهذه العشائر على اختلاف أصولها العربية والكردية والتركمانية والشبكية تضم السنة والشيعة، كما أن المسيحيين واليزيدين والصابئة وغيرهم، ممن ينتظمون في أسر ذات امتداد تاريخي، تشترك مع غيرها بصلات اجتماعية حميمة، إذ تظهر بين أغلب هذه العشائر وتلك الجماعات صلات قربى ومصاهرة، وقد كانت خلال مراحلها التاريخية المختلفة، عابرة للطائفية والعنصرية، كما هو حالها اليوم إذا ما رفع عنها غبار الصراعات السياسية.

الحالة العراقية اليوم فشلت في إقامة دولة المؤسسات وإدارة التنوع الثقافي معاً، ولعل في هذه النقطة تكمن إشكالية بنية العقلية السياسية العراقية في المرحلة الحالية


دور العشائر


الأصل في علاقة هذه العشائر والجماعات أو الأسر، أنها متداخلة ومتفاهمة مع بعضها البعض، فلا مكان للطائفية السياسية التي يتستر خلفها السياسيون لتحقيق مكاسب شخصية، وانتخابيه، وبالتالي فإن أصحاب هذا الرأي يرون أن للعشائر دورها الخلاق في بناء المجتمع واستمرار وحدته، وهم يميزون في هذه الخاصية بين طبيعة المجتمع العراقي عن غيره من المجتمعات التي تظهر فيها الطائفية أو العرقية بشكل واضح، وترسم خارطة علاقاتها الاجتماعية والسياسية.

بينما يرى فريق آخر، أن دور العشائر دور وقتي، يظهر إبان الأزمات وله تأثير محوري في حماية أبنائها، ويسد الثغرات التي تستهدفهم وأموالهم وممتلكاتهم، وأن الدور الأصيل في بناء المجتمع يرجع إلى تكوين دولة القانون والمؤسسات، وأن العشيرة ينبغي لها أن تأخذ دورها الاجتماعي والعرفي في التماسك الاجتماعي أي دورها كمجتمع أهلي يساهم في دعم القانون ووحدة المجتمع، لكن لا ينبغي أن يكون بديلا عن الدولة، وإن تفاقم دورها خارج هذا التصور سيؤدي إلى تخلف المجتمع وتراجعه.

إلا أن الإشكالية المعقدة التي تصطدم مع هذا الرأي، أن تنظيم الدولة العراقية السياسي في المرحلة الحالية، يقوم على أساس المحاصصة السياسية والطائفية والعرقية، وهي مسألة خطيرة تهدد وحدة المجتمع إن لم يحسن العراقيون ممارسة الديمقراطية، وجعل مكونات المجتمع تسير على خط واحد هو بناء المجتمع المدني.

وعليه فإن السياسي العراقي محكوم بهذا الواقع وبنتائجه على سلوكه السياسي فهو لا يستطيع أن يكون حضريا خالصا فيتخلص من تراثيته العشائرية أو الطائفية أو الدينية أو العرقية، ولا باستطاعته الرجوع إلى الصحراء ليكون بدويا خالصا أو الرجوع إلى بيئته الثقافية التي نشأ فيها ليمارس الحياة السياسة وفق محدداتها الفكرية، وربما تكمن إشكالية السياسي العراقي سلوكاً وثقافةً في هذا العمق، مع غياب واضح لنخب قادمة من بيئة حضرية متدرجة في سلم طبقي واضح المراتب والوظائف.


أستاذ علم الاجتماع بكلية الآداب جامعة بغداد

7