البهائيون في البحرين: التسامح عنوان الدين

الأربعاء 2015/02/18
البهائيون يشاركون في حوار التسامح والتآخي بين الأديان والمذاهب

المنامة- يعتبر أتباع الديانة البهائية في البحرين إحدى أكبر الأقليات الدينية في البلاد وينظر إلى تعايش الأغلبية المسلمة مع البهائيين على أنه ضرب من ضروب التسامح ونموذج لوحدة البحرينيين وإعلائهم للوطنية قبل أي اعتبارات أخرى.

يستعد البهائيون في البحرين، مثل غيرهم من البهائيين في العالم، لأداء فريضة الصيام لمدة 19 يوما في شهر الصيام البهائي ابتداء من يوم الثاني من مارس المقبل، فيمتنعون عن الطعام والشراب من طلوع الشمس حتى غروبها، ويحتفلون بالعيد يوما واحدا بعد الصيام، في 21 مارس، المعروف بعيد نوروز.

وينصهر البهائيون في المجتمع البحريني رافعين شعار المحبة في ظل تسامح ديني يكاد يكون فريدا في هذا البلد، متوزعين على شتى مناطق البحرين، تربطهم بغيرهم روابط المواطنة والنسب والجيرة.


200 عائلة


وتقول طاهرة جابري، وهي إحدى البهائيات البحرينيات إن الدين البهائي لا يدعو أتباعه إلى التكتل أو التقوقع، بل يحثهم على الاندماج والتعايش مع الجميع، ويعدّ ذلك من الفضائل الأخلاقية الحميدة.

ويقدر عدد البهائيين في البحرين بـ 200 عائلة، ولكن جابري تضيف إليهم أعدادا أخرى، فهي تقول “هناك أيضا أعداد أخرى من البهائيين الذين يفدون إلى مملكة البحرين للعمل والعيش فيها، فالبحرين مركز مالي مهم ويعدّ اقتصادها من الاقتصاديات الجاذبة للأيدي العاملة في المنطقة، إذ تستقطب سنويا آلاف الوافدين للعمل في شتى المجالات، من بينهم، بطبيعة الحال، العديد من البهائيين، لذا من الصعب الحصول على إحصاء دقيق لعدد البهائيين في البحرين”، واصفة إياهم بأنهم “إحدى أكبر الأقليات الدينية في البلاد”.

ضريح بهاء الدين في عكا بفلسطين

وتضيف أن “أهم ما يميز البحرين هو روح التسامح والتعايش بين أطياف المجتمع الواحد كافة، وهذا هو العامل الأساس لتقدم الشعوب وتمتعها بالحرية والرخاء، فبفضل هذا المبدأ المهم، عشنا على تراب هذا الوطن مواطنين نتمتع بحُرية إقامة شعائرنا الدينية وممارسة حقوقنا الاجتماعية دون تمييز، فالميزان الذي التمسناه هو درجة الإخلاص والتفاني والعمل الدؤوب والسعي للصالح العام وليس الخلفية الدينية أو العرقية”.


الروح والريحان


ويحتفل البهائيون بالأعياد والمناسبات الدينية البهائية، مثل مولد بهاءالله، مؤسس دعوتهم الذي يسبقون النطق باسمه بكلمة “حضرة”، وإعلان دعوته، في أجواء من الحرية، ويجتمعون لتلاوة أدعيتهم جماعيا ليعم الخير على المجتمع البحريني بأسره، بمشاركة من أصدقائهم من الديانات الأخرى وكل من يود الدعاء لخير المجتمع وصلاحه.

وينشط البهائيون في البحرين في تعزيز التسامح الديني في البلاد وإدامة التماسك المجتمعي، فهم يقدمون المواطنة على أي عنوان آخر، ويقول عطية الله روحاني، وهو ناشط حقوقي واجتماعي وعمالي معروف في البحرين: إن مجتمعاتنا في حاجة ماسة إلى التخلص من التعصب المتزايد، وفتح حوارات عميقة حول التسامح والتآخي بين مختلف المذاهب والأديان.

ويضيف “نحن نشارك في فضاءات عدة مثل الندوات وورش العمل والكتابة في الصحف والمحاضرات، لدعم حوار التسامح وتعزيز مبدأ وحدة الجنس البشري الذي هو المحور الذي تدور حوله جميع تعاليم حضرة بهاء الله، والبهائيون مطالبون بموجب تعاليم دينهم أن يتعايشوا بالروح والريحان مع أتباع الأديان كافة، كما أنهم لا يعدون وحدة المجتمعات التي يعيشون في ظلها مجرد أمل زائف، بل يعملون على تحقيق هذا المبدأ، بالتعاون مع الجميع”.


دين مستقل


ويرحب البهائيون بالعمل مع من لديه الرغبة في الإسهام في تنمية المجتمع، ويسهمون في زيادة التقارب المجتمعي، من خلال المشاركة في مشاريع البيئة المحلية والخدمات الاجتماعية.

الروضة الأبدية في البحرين

وحسب روحاني، فإن وجود البهائيين في البحرين يعود إلى الإعلان الخفي للدعوة البهائية في إيران في العام 1844، ثم إعلانها العام في حديقة الرضوان في بغداد، بعد تسع سنوات من ذلك التاريخ.

من جانبه، يقول جلال خليل، وهو من العاملين في مجال التأمين في البحرين “نحن نؤمن بأن حب الوطن يجب ترجمته إلى أعمال لخدمته ولصالح خير المجتمع وصلاحه، لذلك نعمل في البحرين جنبا إلى جنب مع سائر إخوتنا في الجيرة والوطن لرقي وطننا وتقدمه والإسهام في بنائه، ونحث أبناءنا على تلقي العلم ونيل الشهادات والخبرات للإسهام في تطوير المجتمع البحريني وأن ينالوا ثقة أقرانهم، وكل من تعامل معهم، وإعجابهم على المستويات كافة”.

ويصف الدين البهائي بأنه دين مستقل، من أبرز مبادئه وحدة الجنس البشري والتحري عن الحقيقة تحريًا مستقلا، والتبرّؤ من ألوان التعصب الجنسي والديني والطبقي والقومي كلها، وإشاعة روح الوئام والمساواة بين الرجل والمرأة، فهما الجناحان اللذان يعلو بهما طائر الجنس البشري، ووجوب التعليم الإجباري، والاتفاق على لغة عالمية إضافية، والقضاء على الغنى الفاحش والفقر المدقع، وتمجيد العدل على أنه المبدأ المسيطر على المجتمع الإنساني، والثناء على الدين كحصن لحماية جميع الشعوب والأمم، وإقرار السلام الدائم العام كأسمى هدف للبشرية.

ويضيف خليل أن البهائيين يؤمنون بأن دين الله واحد في أصله وجوهره، وعليه فإنهم جميعا يؤمنون بالإسلام وبمكانة الرسول محمد، مشيرا إلى أن النصوص البهائية تصف الإسلام بأنه “دين الله المبارك المنير” وأن محمدا “سيد العالم وعلة وجود الأمم” و”سراج الله بين العباد ونوره في البلاد” “الذي بظهوره تزينت الأرض وبصعوده وعروجه تشرفت الأفلاك” “وبه سالت البطحاء وابتسم ثغر الحجاز وبه نُصبت راية الحقيقة ونكس علم المجاز” “وبه نصب علم التوحيد بين الأديان”.

ويشير إلى أن “اللغة العربية هي لغة التنزيل لحضرة بهاءالله الذي أشاد بها وأثنى عليها، ثم إن الكتابات المقدسة البهائية تمجد الشعوب العربية”.

والزواج في الدين البهائي ارتباط جسماني وروحاني، ويشترط في عقد الزواج البهائي رضى أبوي الزوج والزوجة، سواء أكانا بهائيين أم لا، وهذا يضمن الاتحاد والمحبة بين العائلتين ويقوي أواصر الألفة بينهما.

حديقة الرضوان في بغداد حيث اعلنت الدعوة البهائية

أما مراسم الدفن عندهم، فتبدأ بغسل جسد الشخص بعد وفاته، ثم يوضع خاتم في إصبعه منقوش عليه آية من كتابهم المسمى “الكتاب الأقدس”، وقبل دفن الجسد، تقرأ صلاة الميت، عادة بحضور الأهل والأصدقاء والجيران، وهذه هي صلاة الجماعة الوحيدة لدى البهائيين، ويتم الدفن في المقبرة الخاصة بهم والتي تسمى “الروضة الأبدية”، التي قدمتها حكومة البحرين لهم قبل أكثر من 50 سنة. وبرز من بين البهائيين في البحرين محامون وأطباء وتجار ومصرفيون ومحاسبون، كما برزوا في قطاع التأمين و الوزارات والدوائر الحكومية وغيرها.

وتتحدث طاهرة جابري عن أحدهم، وهو الراحل أبوالقاسم فيضي الذي عاش في البحرين أواسط القرن الماضي، واصفة إياه بأنه “كان أستاذا في التربية من خريجي إحدى أرقى الجامعات في بيروت وهو مثقف وذو خبرة واسعة في مجال تعليم الأطفال وتربيتهم وكان ملما باللغة الإنكليزية، لذا لعب هو وعائلته دورا مهما في خدمة المجتمع البحريني آنذاك”.

وتقول: كانت لفيضي إسهامات مهمة في مجال محو الأمية أيضا، ففي الأربعينات تطوع هو وعدد من بهائيي البحرين لتنظيم بضع مبادرات لخدمة المجتمع، من بينها دروس محو الأمية. كما قامت زوجته بتطوير بعض الدورات لتعليم القراءة والكتابة للسيدات.


أماكن مقدسة


ويقدس البهائيون أماكن في إيران والعراق وفلسطين ويحجون إليها، ويوضح عطية الله روحاني أن الدولتين الفارسية والعثمانية نفتا بهاءالله مؤسس الدين البهائي أواسط القرن التاسع عشر إلى كل من بغداد، حيث أعلن دعوته، ثم إسطنبول فأدرنة وصولاً إلى قلعة مدينة عكا في العام 1868م، حيث توفي ودفن في العام 1892، مشيرا إلى أن أغلب الأماكن البهائية المقدسة تقع في فلسطين.

20