البهرجة الشكلية ومضامين البرامج التلفزيونية

الأربعاء 2016/01/20

قرأت في إحدى الصحف أن إحدى القنوات الفضائية أوقفت برنامجا حواريا لديها بعد الحلقة الثالثة لأن شكل البرنامج لم يعجب الإدارة، ولم يتضح لنا في ما إذا كان المقصود بالشكل هو صيغة البرنامج وفكرته الفنية وطريقة التقديم أم أن المقصود بالشكل الفني هو طراز الديكور وترتيب المكان في الاستوديو.

قبل سنوات عملت مديرا لبعض القنوات الفضائية في القاهرة، وكان مما يثير دهشتي عند التخطيط لمشروع برنامج جديد أن أرى الزملاء ينشغلون بالنقاش حول شكل الديكور والتصميم داخل الاستوديو أكثر من نقاشهم حول المضمون والمحتوى والهدف، وكان بعضهم يتبارون في طرح الأفكار والمقترحات لبهرجة المكان والإنفاق على الديكور حتى وإن كان البرنامج مجرد حوار فكري أو سياسي أو اجتماعي.

من المؤكد أن جمالية الشكل على شاشة التلفزيون مطلوبة وأساسية وضرورية، ولكن الشكل ينبغي أن يناسب نوع البرنامج وصنفه، والجمالية لا تأتي فقط عن طريق البهرجة ولا باكتظاظ المكان بالموجودات والألوان والمبالغة بمؤثرات الضوء والظل، وإنما بتوظيف الشكل لنوع البرنامج وطبيعته وطريقة تقديمه وعناصره البشرية التي تظهر أمام الكاميرا ونوع الجمهور المستهدف.

فالبهرجة والألوان وسعة المكان مقبولة بل ومطلوبة في برامج المنوعات الجماهيرية التي يتحاور فيها المقدم مع نجوم وضيوف بحضور جمهور موزع في أرجاء الاستوديو، ويتخلل ذلك فقرات غنائية أو ترفيهية، أو مباريات فنية أو مسابقات، وفي مثل هذه البرامج يتميز حتى استخدام الكاميرات من الناحية الإخراجية من حيث اتساع اللقطة وسرعة حركة الكاميرا والتنقل بين اللقطات وإحجامها وتمازج المؤثرات الصورية التي تزيد من حيوية البرنامج الذي هدفه أصلا الترفيه والتنوع و”الفرفشة”.

إلا أن معظم هذه الوسائل والعناصر الشكلية تصبح مربكة ومزعجة، بل ومخربة عند استخدامها في برامج الحوارات والمقابلات التلفزيونية التي يهم المشاهد منها ما يقال فيها، وأن يستمع بوضوح إلى تسلسل آراء المتحدثين، لا أن تتخلل العرض مؤثرات صورية تشتت المتابعة الذهنية وتصرف الانتباه عما يقال.

وعلى سبيل المثال شاهدت بالأمس على إحدى القنوات المصرية برنامجا فكريا تنويريا يقدمه رجل علم وثقافة، يجلس وراء طاولة كبيرة، لها أعمدة وزوايا، غارقة بالظل والضوء وكأننا أمام عمل درامي غامض، وكان الرجل يطرح مقولته بتسلسل منطقي مدعوما بالأمثلة والشواهد والحجج، يسر المشاهدين متابعته وإن اختلف المرء ربما مع بعض ما يقوله المتحدث، ولكن السيد المخرج كان يفسد علينا متعة المشاهدة والمتابعة بانتقالات عشوائية من لقطة إلى أخرى، دون مبرر أو ضرورة، بل وغالبا ما ينتقل إلى كاميرا أخرى في اللحظة غير المناسبة مثل عندما يقول الرجل جملة مهمة لا يكتمل معناها إلا بعد سماعها منه مباشرة، ولكن السيد المخرج المصاب بالملل ينتقل من لقطة كبيرة لوجه المتحدث إلى لقطة واسعة لبعض قطع الديكور وتتحرك الكاميرا وكأنها تبحث عن وجه المتحدث الذي أضعناه … ويضيع معه طبعا معنى الفكرة التي سمعنا مطلعها.

أنا أتابع بين حين وآخر محطات تلفزيونية أوروبية ذات مهنية عالية، وأرى على شاشاتها مقابلات تلفزيونية وحوارات سياسية وفكرية مع مسؤولين كبار أو مع مواطنين بسطاء، وهي جميعا تقدم في استوديوهات بسيطة جميلة مرتبة بشكل يفي بالغرض دون بهرجة وتزويق يشتت المشاهد ويصرف النظر عن متابعة ما يقال. ونرى الضيف والمقدم يجلسان على كراس أنيقة بسيطة، أو يقفان أمام طاولة صغيرة يتحاوران ببساطة ووضوح حتى يفيان الموضوع حقه كما شاهدت قبل أيام في تلفزيون فيينا لقاء مع وزيرة داخلية النمسا حول قضايا اللاجئين، وكما نشاهد المقابلات واللقاءات على تلفزيون أورونيوز.

بالمقابل نرى برامج “كلام” في عدد من الفضائيات العربية، وخاصة المصرية، وهي تتبارى في توسيع المساحات التي يجلس بينها المقدم وحده أو مع ضيوف حول طاولات كبيرة واسعة، يختفي خلفها قصار القامة منهم، تحيط بهم فراغات تكسوها ظلال وأضواء درامية المنحى، إضافة إلى عبث المخرجين بالتقطيع العشوائي بين الكاميرات من لقطة كبيرة لوجه المتحدث إلى لقطة عامة للاستوديو يضيع بين تفاصيلها المتحدث ويضيع المتفرج بين متابعة ما يقال وبين متابعة البهرجة الشكلية.

18