"البوب آرت" حركة ما بعد حداثية تصالح ما بين الإنجاز والإعجاز

الاثنين 2014/04/14
فن يعتمد السهل الممتنع بدوزنة جمالية

لندن- إن حركة الفن الشعبي قد وقفت ضدّ تقاليد الفن السائد بكل أشكاله الكلاسيكية والحديثة بغض النظر عن الأشكال التي تبناها والموضوعات التي عالجها، ذلك لأن الفن الشعبي لا يتبنى المفاهيم الفنية ولا يرتكن إلى قواعد علم الجمال.

الفن الشعبي لا يُطالب المتلقي بأن يفهم العمل الفني ويغوص بين طياته البنائية أو يفكك رموزه المُؤسِّسة لشبكة العلاقات الداخلية، التي تُسفر في خاتمة المطاف عن معان ورسائل ومفاهيم بصرية يبتغي على الفنان إيصالها إلى المُشاهد.

فكل ما يريده الفنان الشعبي من متلقيه هو أن يفهم العمل الفني الشعبي مثلما يريده هو بوصفه مُتلقيا أو مُرسَلا إليه، لا أن تُفرض عليه من سلطة نقدية فوقية يعتبرها مُغالية أو متعالية في أفضل الأحوال. فالفن من وجهة نظر الفنانين الشعبيين يجب أن يخاطب المشاعر الذاتية والأحاسيس الداخلية للمتلقي.

على الرغم من أنّ حركة الفن الشعبي تعود إلى أوائل الخمسينات من القرن الماضي، إلا أنها في حقيقة الأمر حركة ما بعد حداثية قد يُقدّر لها أن تعيش مدة طويلة من الزمن، حتى تنتفي أسباب وجودها أمام ظهور معطيات جديدة قد تزيحها عن الواجهة، وتأتي بحركات جديدة تحمل بذور حياتها إلى أجل غير مسمّى.

لم تنبثق هذه الحركة من فراغ وإنما وُلدت من رحم “المجموعة المستقلة” التي ازدهرت بين عامي (1952 /1955)، حيث كان عدد من الرسّامين والنحّاتين والمعماريين والكُتّاب والنقاد “المستقلين”، يلتقون في معهد الفنون المعاصرة بلندن.

وقد عنّ لهم في ذلك الحين أن يتحَدّوا نهج الثقافة البصرية السائدة على وجه التحديد ويركِّزوا على معطيات الثقافة الشعبية مثل الإعلانات، وتصاميم المنتجات، والقصص المصورة، وأغلفة المجلات التي تنتمي للثقافة الشعبية بغية استعمالها في تيارهم الفني الجديد الذي صدم المتلقين أول الأمر، لكنه ما لبث أن وجد طريقه إليهم وهيمن على ذاكرتهم البصرية التي استساغته في مدة قصيرة جدا لأنه يتوفر على معطيات بسيطة، لا أثر فيها للرموز والإشارات المعقدة التي يمكن أن نصادفها في أيّ عمل فني تقليدي.

إن هذه الإعلانات أو التصاميم قد وجدت طريقها إلى بنية العمل الفني الشعبي عن طريق الكولاج حيث تُقتطع الصورة من سياقها المعروف وتُلصَق في سياق جديد تماما لا علاقة له بالمادة الأولى.

لقد قدّم أندري وارهول أعمالا مهمة تنتمي إلى الفن الشعبي وترتبط به إلى حدّ النخاع مثل لوحة “مارلين مونرو” المأخوذة عن فيلم Niagara للمخرج هنري هاثوي الذي أنجزه عام 1953، حيث أخذ لقطة لمونرو من الفيلم ذاته بعد وفاتها عام 1962، وكرّر الصورة خمسين مرة مقسما توزيعها إلى قسمين، الأول بالألوان والثاني بالأسود والأبيض، وقد انطوت هذه الصور المهتزّة أو المتلاشية تدريجيا على معان كثيرة ترمز إلى تعلّق معجبيها بها من جهة وإلى موتها الذي صدم الكثيرين من متابعيها في مختلف أرجاء العالم من جهة أخرى، فقد كانت أيقونة جمالية كونية بغض النظر عن كونها ممثلة ومطربة أميركية على وجه التحديد.

ربما تلتقي التعبيرية التجريدية مع الفن الشعبي ضمن أطر محدّدة، منها العفوية في رسم الخطوط والأشكال والألوان التي تتيح للفنان أن يكون حُرّا في رسم الأشكال والموضوعات التي تدور في مخيلته، فليس ثمة أشكــال مسبّقة تستقر في ذاكرته البصرية.

وإنما كل شيء متروك للفنان في اللحظة الإبداعية التي تهيمن على مشاعر الفنان وتستولي على أحاسيسه وانفعالاته الداخلية، تماما كما فعل الفنان الأميركي جاكسون بولوك وهانس هوفمان وآخرون غيرهما من الذين ركّزوا على هذه العفوية التي تقترب كثيرا من السهل الممتنع، فالعفوية لا تعني أن يترك الفنان يده ومخيلته تعملان وفق ما يروقهما، فثمة دوزنة “غير واعية” لكنها منضبطة حتى في أشدّ درجات الحرية التي يتيحها الفنان لنفسه.

ثمّة أعمال فنية شعبية ترسّخت في ذاكرة محبي هذا النمط الفني. ففضلا عن لوحة مارلين مونرو التي نفذّها وارهول هناك أعمال كثيرة حظيت بالشهرة الإعلامية والاهتمام النقدي على حدّ سواء نذكر منها لوحة “الفتاة الغارقة” التي تُعرَف أيضا بـ”أسرار القلوب” و”أنا لا أبالي، أنا أفضّل أن أغرق” التي رسمها الفنان الشعبي روي لنغتستاين مستوحيا إياها من تقنية القصص المصوّرة، وقد وصفت هذه اللوحة بأنها “تُحفة الميلودراما” المثيرة للمشاعر لأنها تصوّر امرأة في بحر هائج الأمواج.

16