"البودكاست" يفتح المجال لصوت نسوي عربي بلا قيود

منصات إلكترونية تمنح المرأة العربية صوتا للتعبير عن قضاياها ومشاغلها.
الأحد 2020/03/29
رنا نواس تطمح لتعميم التجربة عربيا

محطات المدونات الصوتية النسائية أو ما يعرف بـ”البودكاست النسائي” أصبحت منفذا للكثير من السيدات في المنطقة العربية، حيث يستطعن من خلالها التعبير عن قضاياهن وما يتعرضن له من انتهاكات دون خجل. والسؤال الذي يطرح نفسه في أوساط المتابعين لهذه المنصة التي يمكن وصفها بأنها “صوت النساء العربيات” هل بإمكانها أن تحقق الانتشار المطلوب لما تعرضه من قضايا مسكوت عنها، في ظل حقيقة أنها لا تزال حتى اللحظة منصة نخبوية.

 “أعترف أن أذني لم تكن تصغي جيدا لصديقاتي، إذ كان ينتابني نوع من الصداع بعد دقيقتين من الاستماع، والآن أنا عاشقة للاستماع لمحتوى البودكاست، فلم أتوقع يوما أن تكون هناك منصة تناقش قضايا من المحظورات العربية، تتمكن من تحطيم جسور الخوف بهذا الشكل المثير”.. هكذا عبّرت الفتاة السعودية، ريتاج علي، عن انجذابها للمحتوى الصوتيّ الذي تقدّمه منصة “صوت”.

والبودكاست، هو سلسلة من الحلقات المسجلة صوتيا تذاع عبر شبكة الإنترنت ويتم الاستماع إليها على الهاتف المحمول أو جهاز الكمبيوتر باستخدام تطبيقات مخصصة لذلك، أشهرها تطبيقا “بودكاست” التابع لشركة أبل وتطبيق “بودكاست أديكت” لمستخدمي نظام التشغيل أندرويد.

وتقوم “صوت” التي أسسها شباب من الأردن منذ نشأتها عام 2016 بإنتاج وتوزيع برامج صوتية، أكثرها انتشارا هو بودكاست “عيب” الذي يحقّق نسبة استماع مرتفعة لكل حلقة ويتطرق إلى قضايا نسائية طالما كانت مصنفة في خانة المحرمات والممنوعات ولا تطرح عادة في المجتمع العربي.

وناقشت بان برقاوي، في إحدى الحلقات، اعتناق ديانة أخرى من أجل الحب، وهو أمر غير مقبول اجتماعيا، وخصصت حلقة أخرى عن عدم وجود قواعد واضحة ضد التحرّش في العمل قد يعرض الموظفة لمضايقات أو سلوك غير لائق.

وكانت إحدى حلقات بودكاست “عيب” أشد جرأة، وتحدثت عن حق المرأة في أن تكون أمّا عزباء، وقالت مقدمة المحتوى “من تَسأل لماذا المجتمع يمنح الرجل الحق في تقرير من تنفع أن تكون أمّا ومن لا تنفع لذلك؟ ما الحل أمام امرأة بدأت التقدم في السن ولم توفق في إيجاد شريك حياة مناسب، ولكن لديها رغبة وجاهزية في أن تكون أما؟ لماذا يقبل المجتمع أن تقوم امرأة عزباء بتبني طفل وتربيته، بينما يصعب عليه قبول امرأة عزباء تذهب إلى بنك الحيوانات المنوية وتقوم بإجراء تلقيح اصطناعي لإجراء عملية الحمل وتحمل وتنجب دون شريك حياة”؟

حيوات موازية

للمرأة صوت يعبر عنها أينما كانت
للمرأة صوت يعبر عنها أينما كانت

قالت مي محمد، وهي سيدة أربعينية، لـ”العرب”، “عندما أستمع لهذا البودكاست أجد نفسي كأنني أقابل أناسا حقيقيين وأتعرف على قصصهن الأكثر حميمية وعنفا، ربما يفترُ صوت النساء حينا أو يملُّ المجتمع من سماع قصصهن، لكن لا الاعتداءات تتوقف، ولا معاناتهن تنتهي، ومن ثم تعود النساء والفتيات إلى سرد حكاياتهن من خلال آلية جديدة وجدوها في البودكاست كوسيلة تستطيع جذب الناس من جديد”.

وتفرغت رنا نوّاس، لإنتاج المدونات الصوتية عبر الإنترنت في دبي، لتصبح أكثر مقدمات البودكاست شعبية في الشرق الأوسط، وتعتبر الفتاة معرفة الحقائق جزءا من عملها كمناصرة غير رسمية لحقوق المرأة عبر مدوَّنتها الصوتية “عندما تفوز النساء”.

وهي مدوَّنة تروي عبرها النساءُ اللواتي يحتذى بهن في جميع أنحاء العالم قصصَهن الملهمة ويكشفن عن الأدوات العملية والاستراتيجيات التي استخدمنها للفوز، وتواصل رنا عملها في المساعدة على منع التمييز الجنسي، وتشجيع النساء، وتسليط الضوء على إنجازاتهن.

وترى نوّاس، أن البودكاست سينتشر أكثر في المنطقة والعالم لأن “الناس سيصبحون أكثر انشغالا”، وتتفق معها في الرأي الإعلاميّة الخمسينية في راديو مونت كارلو، ريتا خوري التي تملك خبرة تزيد عن عشرين عاما في العمل الإذاعي، وتتحدث عن اهتمام العرب المفاجئ بالبودكاست قائلة “يبدو العالم العربي كمن استفاق فجأة وهرول متأخرا على موعد ما، وكأنّ الأمر أتى نتيجة لحالة إشباع من المنصات المتوافرة وملل منها”، وهو توجه يمثل بادرة إيجابية وحقل تجارب يعزّز أهمية الصوت.

وتجربة البودكاست الذي يلقي الضوء على معاناة المرأة العربية، ربما تكون جديدة على النساء في دول المنطقة، غير أنها حجزت مكانا مميزا، لرواج الهواتف الذكية التي سمحت للمستمعين بتحميل المحتوى الإذاعي والاستماع له في أي وقت، ووجدت النساء فيها مساحة آمنة لسرد قصصهن دون خوف من وصمهن بـ”قلة الحياء” أو ذوات “وجوه مكشوفة” لما يسردنه من أمور تعد خرقا للتابوهات في المجتمعات العربية.

وأوضحت لمار محمد، وهي فتاة مغربية، لقد أسرتني الإعلاميّة السعوديّة لبنى الخميس، في “أبجورة”، وتحمل الفتاة المزيد من البودكاست على هاتفها المحمول الذي يتحدث عن معاناة النساء لتستمع إليه أثناء قيادتها السيارة التي تتعدى الساعتين يوميا، وترى أن الحكايات تمدّها بالجلَد اللازم لمواصلة الطريق، كأنها تعيش حيوات أخرى موازية تجعلها قوية.

وانطلق “أبجورة” منذ حوالي ثلاثة أعوام، هو واحد من البرامج الشبابيّة التي تعكس نموا ملحوظا في إنتاج واستهلاك البودكاست عربيا.

وحصلت الكاتبة لبنى الخميس على “جائزة الإعلام الجديد” من وزارة الثقافة والإعلام السعوديّة لمدى تأثير وعمق “أبجورة”، وهو من أكثر البرامج استماعا في منطقة الخليج، فقد تخطّى عدد مستمعي بعض حلقاته الستين ألفا.

وتسعى الخميس إلى نقل أفكار ملهمة لجمهورها عبر حلقات لا تتخطّى مدة الواحدة عشر دقائق، تروي فيها قراءات وتجارب، تترافق مع مونتاج صوتيّ لعناصر تحفّز مخيّلة
المستمعين.

وبدأ البودكاست في أواخر العام 2004 مع الجيل الثاني من الويب، وأول من أطلق التسمية على هذه التقنية الصحافي البريطاني بن هامرسلي، وللبودكاست شعبية كبيرة في الدول الغربية، ومتابعوه كُثر لانشغال الناس عن التلفاز ولوجود محتوى أكبر قيمة وأكثر حرية على الإنترنت يقدمه متخصصون أو هواة.

واقتصر مفهوم “البودكاست العربي” لفترة طويلة على منصات صوتية لها طابع تعليمي أو إخباري، لكن البعض من صانعي المحتوى ولوا وجوههم، مؤخرا، لتقديم محتوى صوتيّ يعبّر عن الواقع العربي بلغة عربية أو أجنبيّة.

وتنتشر في المنطقة العربية اليوم شبكات البودكاست التي تتكون من مجموعة من البرامج تُعرض في مكان واحد وتتناول مواضيع مختلفة وتبث في حلقات، وهي بمثابة (نتفيلكس للمحتوى الصوتي)، كما أن هناك وسائط تقليدية، مثل المطبوعات، والتلفزيون، والراديو.

ووجد البودكاست المستقل الذي يقوم على أفراد أو برامج غير مرتبطة بأي شبكة أو شركة جمهورا دؤوبا بفضل أسلوب سرد القصص.

وبدأت أستاذة الإعلام بجامعة كولومبيا، كيري دوناهيو، تقديم طرق نشر البث الصوتي في مركز الجزويت بمحافظة الإسكندرية  في أولى خطواتها لنشر ثقافة البودكاست أو التدوين الصوتي كما رشحتها السفارة الأميركية بمصر لتكوين مشروعات إعلامية بعيدة عن شاشات التلفزيون والصحف، وحتى مواقع السوشيال ميديا واليوتيوب من خلال تدوين حلقات يستمع إليها الملايين بمجرد رفعها على الإنترنت.

ولها.. صوت

الهواتف الذكية سمحت للمستمعين بتحميل المحتوى الإذاعي والاستماع له في أي وقت
الهواتف الذكية سمحت للمستمعين بتحميل المحتوى الإذاعي والاستماع له في أي وقت

أشارت دوناهيو، إلى أن الإدارة الأميركية تحاول نشر ثقافة البودكاست في الشرق الأوسط، ومصر من الدول التي لا تنتشر فيها هذه الثقافة وتحتاج إلى المزيد من التدريب.

وهناك بعض التجارب الجديدة لمصريات حرصن على إنشاء بودكاست يعبر عن قضايا نسوية مثل بودكاست “ولها.. صوت” التي قامت به مؤسسة “ولها وجوه أخرى”.

وأكدت رنيم العفيفي، كاتبة متخصصة في الشأن النسوي، ومديرة إحدى المنصات “اكتشفنا أن البودكاست يفرض نفسه كإحدى الوسائل الإعلامية التي تستطيع الوصول إلى قطاعات واسعة من الناس دون سقف يحكمها، وفكرنا كيف نقوم بعمل ذي توجه نسوي خاصة أن شركة أبل أعلنت في أواخر 2018 أن هناك 700 ألف بودكاست نشط على الفضاء الإلكتروني.

وأشارت العفيفي إلى حرصهن في البودكاست على الحيادية وضرورة تحديد “مع من نتكلم وماذا نريد أن نقول وكيف نراعي المفردات الحساسة وماذا نستخدمه منها وما لا نستخدمه”.

ومن خلال إحدى حلقات بودكاست “ولها.. صوت” كشفت سيدة مغربية عن معتقدات غريبة انتشرت في بلدها، قائلة إن أغلبية النساء تستحين من قطرات الدم المتمردة التي تخرج على ملابسهن، وتعتقدن أن الفوط الصحية يستخدمها البعض في السحر لذلك يغسلنها قبل رميها.

أما فاتن فهي فتاة يتيمة من محافظة البحيرة بمصر، عانت كثيرا مع زوجة أخيها ثم ذهبت للعيش في مدينة الإسكندرية، وسردت من خلال حلقة بودكاست معاناة من ‏نراهن يوميا في الشارع، ومنا من يستيقظ على أصوات تدوي بحثا عن الرزق، لكن لا نشعر بوجودهن كبشر.

ولم يقتصر دور البودكاست على كسر حاجز الخوف النسائي في المجتمع فقط، إنّما أيضا كسر حاجز الخوف الذي صنعته المنظومات الذكورية الأبوية، وباتت المئات من النساء يجدن في هذه المنصات فرصة للتحدث بعلانية بأسمائهن الحقيقية أو بأسماء مستعارة، عن انتهاكات تمت بحقّهن، عبارة عن اغتصاب وتحرش وجرائم مست حقوقهن.

ورأت منى واصف، وهي ناشطة حقوقية مصرية، أن جدران الخوف سقطت لأن النساء قررن ذلك، وكسرن الكثير من الحواجز السياسية التي تمثل ثقلا على قلوبهن وأرواحهن.

وأوضحت واصف لـ”العرب”، أن الحديث عن التحرّش الجنسي والانتهاكات التي تتعرض لها النساء عبر منصات “البودكاست” فرصة جيدة للبوح وسرد ما يعانين منه بالأساليب التي يرونها مناسبة والتي تلائم وجعهن، ودون تحمل عبء تزيين الغضب تفاديا لعدم خدش الحياء العام المسؤول بأشكاله المختلفة عن قمعهن أيضا.

مقصّ الرقيب

التكنولوجيا الحديثة حلّ للمرأة لإيصال صوتها
التكنولوجيا الحديثة حلّ للمرأة لإيصال صوتها

بات عالم البوح العلني هذا الذي خلقته النساء الناجيات على منصات البودكاست شبكة الدعم لكثيرات عانين لوقت طويل من غياب الأمان في المجتمعات الذكورية، فكل فتاة تكتسب قوة إضافية عندما تجد أن هناك أخرى مثلها نجحت في كسر حاجز الخوف، وقالت حكايتها أو دافعت عن حكاية امرأة لم تستطع أن ترويها بنفسها.

وتحدث بودكاست عربي بعنوان “المرأة الخفية” على منصة “ابتدي” عن قصص النساء والفتيات، التي غالبا ما تكون غير معروفة أو تم تجاهلها، وأنتجه رجل الأعمال المصري أحمد عزت، وركز على قضايا المرأة وانتهاكات حقوقها ويعمل على توعيتها بحقوقها ليكون أداة فعالة للنساء ذوات الموارد المحدودة للتعبير عن آرائهن واهتماماتهن.

وبعض الحلقات التي تم إعدادها بالتعاون مع هيئة الأمم المتحدة للمرأة تتضمن حلقة حول ممارسة تشويه الأعضاء التناسلية الأنثوية، وحلقة حول جرائم الشرف، استضافت الصحافية الأردنية وناشطة حقوق الإنسان، رنا الحسيني.

وتقول الفتاة الكويتية حبيبة الرشيدي، إنها وصديقاتها انسحبن شيئا فشيئا من دوامة الجلوس أمام شاشة التلفزيون إلى فضاء البودكاست الذي يعرض مشاكل وقضايا هامة لهن دون إعلانات.

ويوفر البودكاست ميزة الاستماع إلى المحتوى في أي مكان وبأي وقت، ولا يتطلب تركيزا كما هو الحال بالنسبة إلى القراءة والمشاهدة، وتستغرق الحلقة وقتا أقل بكثير من نظيرتها في الوسائل الأخرى، كما أنها لا تتطلب سرعة عالية من الإنترنت لتحميلها.

وتتيح المدونات الصوتية النابعة من أصحابها وتمكن الناس من تبادل القصص والحلول فرصا للحوار واستعراض القضايا النابعة من المجتمع كي تتغير برفق وتتحدى الأعراف التي تميز بين الجنسين.

وتشير الرشيدي لـ”العرب”، إلى أنها متابعة جيدة لبودكاست “مساحة” الأسبوعي على منصة صوت الذي يعرّفها على قضايا النساء من لبنان والأردن والجزائر ومصر وتونس وغيرها، ويعرض التحديات والحلول للمشاكل الاجتماعية التي نواجهها اليوم.

وتضيف “من سمع ليس كمن رأى، فأنا سمعت كثيرا مثلما سمع الكثيرون عن مشروع البودكاست، لكن عندما استمعت له وجدته يضم محتوى مثيرا لأنه يجعلني أقرر ماذا ومتى وكيف أسمع، فهو وسيلة ليست مقيّدة بمقص الرقيب، سواء كان كيانا مثل هيئات البث الرسمية، أو رقيبا ذكوريا مثل الأب أو الزوج أو الأخ”.

لقد كسر البودكاست ثقافة الصمت التي أضاعت حق من تعرضن لاعتداءات متفاوتة على مدى سنوات، وتمكنت فتيات عربيات من المجاهرة بالحديث عما تعرضن له على يد رجال.

20