البوركيني.. قناعة شخصية أم خضوع لإملاءات المجتمع

قضية حظر “البوركيني” في فرنسا، أو ما تصطلح وسائل الإعلام الفرنسية على تسميته بـ“البوركيني غايت”، اكتسبت سريعا زخما كبيرا في وقت يرى فيه العديد من المسلمين والنشطاء في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان أن هذا الحظر يمثل انتهاكا لحرية الأفراد والتماسك الاجتماعي. فهل تشكّل سباحة سيّدة بلباس يغطي كامل جسدها وشعرها بالفعل، تهديدا للأمن العام في فرنسا؟
الخميس 2016/08/25
ملابس سباحة تعني الكثير

لندن - توصلت الأسترالية من أصل لبناني أهيدا زانيتي في العام 2004 إلى اختراع زي سباحة أطلقت عليه تسمية “البوركيني”، وهو لباس سباحة يتكون من قطعتين يغطي كامل الجسم. ويتكون من سروال طويل وكنزة طويلة مسترسلة متصلة بغطاء حجاب، يغطي الرأس لكن ليس الوجه.

وطرأت على زانيتي فكرة زي مريح ومعتدل ومحتشم للنساء المسلمات أثناء مشاهدة ابنة أخيها تلعب كرة الشبكة. وقالت زانيتي “كانت ترتدي سروال الجري الطويل تحت البنطلون القصير.. لقد بدت محتارة وغير مرتاحة إلى حد بعيد. أردت أن أشتري لها ملابس رياضية محتشمة، لكن لم أجد”.

ومن هنا أتت الفكرة لزانيتي بحياكة الثوب بنفسها. وبعد ردود الفعل الإيجابية من الأصدقاء والأقارب، انتقلت إلى ملابس السباحة، وأنتجت أول بوركيني من خامتي الليكرا والتفلون في يونيو 2004 ولكن شركتها المسماة “أهيدا”، تصنع الملابس الآن من البوليستر عالي التحمل القابل للتمدد.

وفي الأشهر الأخيرة، بدأت العديد من البلدات والمدن الأوروبية، بعضها في ألمانيا وفرنسا، بحظر زي السباحة الإسلامي “البوركيني” في الأماكن العامة.

وقالت زانيتي “عليهم ألا يستغلوا ملابسنا في أغراضهم السياسية.. ابتكرت هذا الزي حتى نتمكن من الاندماج في أستراليا بشكل أكثر سهولة”.

وأضافت زانيتي، التي صممت أيضا ملابس رياضية عملية لفريق كرة القدم النسائية الأفغاني ولعداءة أولمبية بحرينية “جسم المرأة المسلمة مسيس دائما.. لا يهم ما إذا كانت مغطاة أم لا”. وأوضحت أن رد الفعل العنيف في أوروبا عزز المبيعات عبر الإنترنت. وتابعت “نحن ننتج أكثر من أي وقت مضى.. في فرنسا، ارتفعت المبيعات بنسبة 30 إلى 40 بالمئة في الأشهر الثلاثة الماضية. وفي ألمانيا اضطررنا لتغيير مقدم خدمة التوصيل لتلبية النمو في المبيعات عبر الإنترنت”.

وقالت زانيتي إن البوركيني منح الآلاف من النساء المسلمات الثقة للخروج والمشاركة بفعالية في الحياة الاجتماعية. وأضافت “عندما كنت صغيرة، لم تكن أي من هذه الأمور موجودة، كنا نرتدي الملابس العادية ونجلس على الشاطئ. وكان محظورا علينا استخدام حمامات السباحة. لقد منح البوركيني للنساء المسلمات القوة والحرية، والآن يريدون أن يسلبوه منا”. وتابعت “قد تكون هذه مجرد ملابس سباحة، لكنها تعني شيئا أكبر من ذلك بكثير بالنسبة إلى الكثيرات منا”.

ويلقى النقاش الذي أثير هذا الصيف في فرنسا حول البوركيني القليل من الاهتمام في شمال أفريقيا، حيث ينتشر أساسا لباس البحر المحتشم على الشواطئ فيما تفضل بعض النساء ارتياد مسابح مخصصة لهن.

البوركيني منح الآلاف من النساء المسلمات الثقة للخروج والمشاركة بفعالية في الحياة الاجتماعية

وقلما تجرؤ النساء اليوم على ارتداء لباس البحر وخصوصا البيكيني على الشواطئ العامة في منتجع زيرالدا الساحلي غرب العاصمة الجزائرية. وتقول حكيمة أستاذة الرياضيات، إنها تسبح بالبوركيني أو لباس البحر الإسلامي ثم تلف نفسها بوشاح كبير لدى خروجها من الماء. وتضيف “هذا أكثر حشمة. لباس البحر الذي يغطي الجسم كله حل للمسلمات المتدينات من محبات السباحة”.

ولكن البعض يرتدين البوركيني مضطرات. وتقول منال براهيمي، الطالبة في علم الأحياء، “أعشق السباحة ولكن إذا ارتديت ثوب السباحة العادي ينظرون إليّ وكأنني قدمت من المريخ”.

ومن جانبها تقول سهام البالغة من العمر 24 عاما إنها “قررت أن ترتدي فوق ثوب السباحة سروالا قصيرا لتفادي النظرات”.

وتتنوع ملابس البحر التي ترتديها النساء على شواطئ الرباط بين شورت البرمودا، فالسروال الطويل الملتصق بالجسم، وصولا إلى سروال الجينز القصير وحتى القمصان القطنية.

ولكن تندر مشاهدة امرأة بالبوركيني، إذ أن سعره الذي يبلغ في المتوسط 500 درهم (50 يورو) يعتبر فوق قدرة الكثيرات.

ويقول ميلود المتقاعد إن “هذه الظاهرة جلبها المغتربون. لقد نقلوا هذه الموضة معهم هذه السنة خلال قضاء أجازتهم على الشواطئ المغربية” ولا سيما في شمال البلاد المحافظ. ويرى فاضل الأربعيني أنها “قضية تجارية في الأساس لترويج بضاعة متاجر الموضة الإسلامية. لكن معظم الناس هنا لا يكترثون للأمر”.

لكن حتى تسعينات القرن الماضي كان الاختلاط وارتداء ملابس البحر أمرا اعتياديا على شواطئ الجزائر الممتدة على 1600 كلم، حيث كان يندر أن تشاهد امرأة بلباس بحر طويل.

وتقول سعيدة، مدرسة اللغة الإنكليزية، إنه “بدلا من الاختلاط الاجتماعي على الشواطئ كما كانت الحال دائما، أقيمت جدران بين النساء اللواتي يمكنهن الذهاب إلى المسابح الخاصة والاستمتاع بأشعة الشمس واللواتي يرتدين للسباحة، ما يعتبره المجتمع محتشما سواء عن قناعة أو للاضطرار”.

وبالقرب منها تقول كاتيا وحيد إنها تسبح بالبيكيني “عن قناعة مبدئية”. وتضيف كاتيا البالغة من العمر 50 عاما “زاد وزني مع تكرر الولادات ولكني أرفض الرضوخ لامتلاءات المجتمع. لم نرضخ عندما منع الإسلاميون النساء من الذهاب إلى الشاطئ. كنا نذهب مع العائلة والأصدقاء ونرتدي لباس البحر”.

وتعرب صديقتها أمينة عن أسفها لأن “الحريات الشخصية تراجعت بشكل كبير. لم يعد ينقص سوى أن يكتبوا على المدخل: شاطئ عائلي، لزوم اللباس المحتشم”. وتضيف بحسرة أنها تشتاق إلى الفترة التي كانت تتنزه فيها الفتيات بحرية بملابس البحر الملونة على الشاطئ.

21