البوسنة تربة خصبة لعناصر الحركات الجهادية في الشرق الأوسط

الاثنين 2015/04/20
بلدان البلقان جسر أوروبي جديد لتجنيد جهاديي الحركات المتطرفة

ساراييفو - البوسنة إحدى دول البلقان، التي شهدت خلال حرب التسعينات داخل الدولة اليوغسلافية قبل تقسيمها حسب الانتماءات الإثنية، في فترة التسعينات حرب تصفية عرقية ودينية جعلت شباب المسلمين يقعون تحت تأثير دعوات شيوخ السلفية من أجل نصرة المسلمين حاملين راية الجهاد فتوافد المقاتلون الأجانب على هذه المناطق وبثوا أفكار شيوخهم فيها والتي ستثمر بعد أكثر من عشرين عاما “هجرة جهادية” معاكسة لمناطق النزاع في الشرق الأوسط ولكنها هجرة تحمل بصمات أصحاب الأرض الذين تشبعوا بمنهج الفكر المتطرف للوافدين في فترة الحرب مع الدولة اليوغسلافية السابقة.

أصبحت البوسنة التي كانت قبلة مقاتلين إسلاميين متطرفين خلال حرب التسعينات، اليوم منطلقا لمقاتلين ينضمون لمجموعات إسلامية في سوريا أو العراق، ما يشكل تحديا أمنيا لدول البلقان.

فالمئات من مسلمي البوسنة الذين يشكلون الأكثرية أي ما يقرب من 40 بالمئة في هذه الجمهورية اليوغسلافية السابقة التي يبلغ عدد سكانها 3.8 ملايين نسمة، تبنوا تفسيرا متشددا للإسلام، مستوحى من الوهابية السعودية، وأتى به إلى البلاد أجانب ومنظمات “إنسانية” خلال النزاع.

ومعظم هؤلاء المقاتلين الأجانب الذين يساندون قوات مسلمي البوسنة، غادروا البوسنة بعد الحرب. لكن بذور التطرف قد زرعت. وبعد عشرين سنة، لم يعد دعاة السلفية في البوسنة أجانب، بل باتوا مواطنين بوسنيين.

ويعمدون إلى تجنيد أتباعهم ومن بينهم يختارون في أماكن الصلاة التي لا تخضع لإشراف سلطات الطائفة المسلمة الرسمية، المرشحين للجهاد. وتشمل ظاهرة تجنيد المقاتلين لتنظيم داعش معظم بلدان البلقان وخصوصا صربيا وكوسوفو وألبانيا حيث بدأت محاكمات مماثلة في الأسابيع الأخيرة والتي شددت فيها السلطات القوانين أيضا.

وأكد أسد هاشموفيتش الصحافي البوسني المتخصص في الجماعات الجهادية “لا شك في أن عملية التجنيد ممكنة بفضل وجود شبكة في أماكن الصلاة السلفية”.

وهو يعتقد أن إقامة “خلافة” وبالتالي “وطن إسلامي” هي الحافز الأبرز لهؤلاء الشبان الجهاديين. وأضاف هاشموفيتش أن “الخطر تحول بمرور السنوات. وشارك في النزاعات بدول البلقان مقاتلون أجانب، والآن لدينا مقاتلون من البوسنة ودول البلقان يشاركون في النزاعات في أماكن أخرى من العالم”. والجماعة الوهابية في البوسنة ما زالت صغيرة جدا، وتقدر السلطات عدد أفرادها بثلاثة آلاف، لكنها تستخدم قاعدة لتجنيد الجهاديين.

تقديرات أجهزة الاستخبارات تفيد أن حوالي 200 من الرعايا البوسنيين انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية

وتفيد تقديرات أجهزة الاستخبارات أن حوالي 200 من الرعايا البوسنيين انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية. وقتل حوالي ثلاثين منهم وعاد حوالي أربعين إلى البوسنة. ويقدر العدد الإجمالي للجهاديين الذين وقع تجنيدهم في بلدان البلقان لحساب مجموعات جهادية في سوريا والعراق بحوالي 600 جهادي.

وحذر ياسمين أهيتش الأستاذ في كلية علم الجريمة والأخصائي في شؤون الإرهاب في ساراييفو من أن “الذين يعودون إلى البلاد يشكلون خطرا كبيرا. ليس فقط لأنهم قاتلوا هناك بل أيضا لأنهم لم يعودوا بعد تلك التجربة كما كانوا”.

وأضاف أهيتش أن “الأجهزة الأمنية تراقبهم بالتأكيد، لكن الخطر يكمن في انصرافهم إلى تجنيد مرشحين آخرين للجهاد”. وقد عمدت السلطات إلى تعديل القانون لمنع سفرهم. وبات الجهاديون ومجندوهم معرّضين لعقوبة بالسجن يمكن أن تصل إلى عشرين عاما.

ومنذ سبتمبر 2014، اعتقلت الشرطة حوالي ثلاثين مشبوها، لكنها أفرجت عن القسم الأكبر منهم، لأنه من الصعوبة بمكان إثبات ما ينسب إليهم، كما يقول خبراء.

وقد بدأت في يناير 2015 محاكمة أحد الدعاة السلفيين حسين بوسنيتش الملقب ببلال والبالغ من العمر 42 عاما أمام محكمة في ساراييفو. وقد فرض حسين بوسنيتش العضو السابق في وحدة للمجاهدين خلال حرب البوسنة كانت تضم أيضا أجانب، نفسه زعيما للتيار الوهابي المحلي بعدما توجه إلى سوريا أواخر 2013 “خلفه” نصرة إماموفيتش.

ويسود الاعتقاد أن إماموفيتش المدرج اسمه في لائحة “للإرهابيين الأجانب” على الصعيد العالمي أصدرتها في سبتمبر 2014 وزارة الخارجية الأميركية، هو اليوم كما تقول أجهزة الاستخبارات البوسنية، المسؤول الثالث في جبهة النصرة، الفرع السوري لتنظيم القاعدة. ووجهت إلى إمام منطقة بوزيم شمال غرب البوسنة حسين بوسنيتش، والأب لـ17 طفلا والمتزوج من أربع نساء، رغم أن تعدد الزوجات محظور في البوسنة، تهمة “التحريض العلني على أنشطة إرهابية” و”تجنيد” جهاديين.

وأكد المدعي دوبرافكو كمبارا خلال المحاكمة “كان يتلقى أموالا من بعض الأشخاص في بلدان عربية. إنها مبالغ كبيرة”. ووجهت التهم أيضا إلى أربعة أشخاص آخرين، هم جهاديان ومجندان، في بداية أبريل الجاري في ساراييفو.

بلدان البلقان أمست اليوم تحصد ما زرعته عن طريق الجهاديين الذين جاؤوها في التسعينات بدعوى مساندة المسلمين ونصرتهم، هذا النبت الذي نما وترعرع في مساجدها يرحل اليوم بأبنائها إلى سوريا والعراق تحت نفس الأفكار التي وصلتها من قبل الجهاديين الأجانب في التسعينات.

13