البوعزيزي في ذكراه

الخميس 2013/12/19

قبل ثلاثة أعوام أقدم محمد البوعزيزي البائع المتجوّل في مدينة سيدي بوزيد التونسية على إضرام النار في جسده لتنطلق شرارة الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بحكم زين العابدين بن علي في تونس، ثم اتسعت لتشمل دولا أخرى قيل إنها دول الربيع العربي.

ومن يعود قليلا إلى الوراء، لابد أن يتوقف عند تلك الهالة القدسية التي أحيط بها البوعزيزي، حيث وصف بأنه أيقونة الثورات ومؤسس الربيع وصانع الفجر وحارس الحرية وزعيم الشباب وقاهر الديكتاتوريات وعنوان الصحوة ورمز التمرد وسيد شهداء الديمقراطية، وقد نال من إشادات الساسة في الداخل والخارج ومن مديح الشعراء والمثقفين والإعلاميين، ومن حفلات التكريم والتوسيم ودروع التقدير ما حوّل الانتحار إلى ظاهرة ثورية وطنية وقومية، ودفع مئات من الشباب العربي إلى الاقتداء بفتى سيدي بوزيد كونه مثلا أعلى للثوار رغم أنه لم يكن ثائرا ولا ثوريا ولا حتى من مواليد برج الثور، وإنما كان شابا عاديا لا علاقة له بالسياسية والسياسيين، وكل ما كان يهمه هو رغيف الخبز لأسرته وجلسته المسائية للعب الورق مع الأصدقاء في مقهى الحي الشعبي.

واليوم وبعد الأعوام الثلاثة، لم يعد هناك من يذكر البوعزيزي، ولا من يحاور أمه ولا أخته ولا أخاه، فالموضوع كان لابد أن ينتهي مع تحويل وجهة التاريخ والجغرافيا، فالثورة باتت تجد من يشكك في ثوريتها خصوصا وأنها لم تترك وراءها ثوارا يدافعون عنها، والاحتجاجات التي أطاحت بالنظام تبيّن أنها كانت فقط فاتحة مشروع يتجاوز البوعزيزي وسيدي بوزيد وتونس وبن علي، والربيع العربي بات مهرجانا قوميا لتقاسم الغنائم على أن تكون الحصة الأكبر لحركات الإسلام السياسي وفي مقدمتها جماعة الإخوان وحلفاؤها، وكرنفالا للتدخل الخارجي ولإذكاء الصراعات الطائفية والمذهبية والقبلية والحزبية والإيديولوجية.

انطفأت شعلة البوعزيزي إذن، أطفأها إسلاميون يريدون وضع اليد على ما يعتبرونها ثورات، ويرفضون لها أن تنسب إلى شاب خالف الشريعة وانتحر، وأطفأها الشارع الذي اكتشف أنه ظل ماسكا بقرني الثور دون أن ينال شيئا من حليب البقرة، وأدرك أنه كان ضحية لعبة جهنمية، لم يكن فتى سيدي بوزيد أكثر من أداة بسيطة من أدواتها يوم أضرم النار في جسده قبل ثلاثة أعوام.

24