البوعزيزي والدولة المدنية

السبت 2014/03/22

غداة اندلاع ثورات الربيع العربي، كانت الديمقراطية والدولة المدنية قاعدة عامة لأنظمة الحكم على صعيد عالمي. وبدا الوطن العربي مقطوع الصلة بالعالم، وتسوده نظم سياسية مطلقة، لم تشهد تغييرا لعقود.

انتشرت الديمقراطية كنظام للحكم عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية، في أوروبا الغربية والهند واليابان، ليتسع نطاقها في السبعينات وتصل إلى اليونان وأسبانيا والبرتغال، وشهدت العقود اللاحقة تسونامي ديمقراطي اجتاح أميركا الجنوبية ودول الاتحاد السوفيتي، وبعض الدول الأفريقية، فيما بقي الوطن العربي بمنأى عن كل ذلك.

ورغم أن شرائح واسعة من الطبقة الوسطى العربية، كانت تتوق إلى الانتقال من الدولة الأمنية- العسكرية إلى الدولة المدنية، فإنها كانت عاجزة عن المضي في ذلك، حتى مع الاهتمام بدراسة تجارب التغيير الديمقراطي على صعيد عالمي، وخصوصا تجربة أوروبا الشرقية، والتي حظيت باهتمام لافت من قبل المثقفين والسياسيين في الدول العربية، وكان الأمل هو “تقليد” التجربة.

في أوروبا الغربية وفي سياق التطور الرأسمالي لدولها، تأسس وعي جديد للفرد والدولة، وعي يؤكد على محورية المواطن، وقد وسّع النظام التمثيلي في حجم مشاركة الشعبية في الشأن العام، وأتاح للمواطنين أن يشعروا بمسؤولية شخصية في الدولة، وبات الشعب هو مصدر السلطات. هكذا تأسست الدولة الحديثة الديمقراطية العلمانية التي تستند لمبدأ المواطنة والمساواة، وتنبذ التمييز على أساس ديني أو جنسي أو إثني. شكل ذلك دافعا لدول أوروبا الشرقية التي كانت ولا تزال محكومة بسلطة استبدادية مطلقة، رغم كل التطور الاقتصادي الذي تحقق فيها، والذي بات يدفع نحو تفجير النظام السياسي الحالي المتنافر مع درجة التطور الاقتصادي، ومع درجة تطور وعي المواطنين الذين تزايدت رغبتهم في الانخراط بالعمل السياسي العام.

لاشك في أن الثورات العربية تعبّر، في جزء منها، عن توق قطاعات واسعة من الشعب إلى دولة القانون وإلى الدولة المدنية، خصوصا في بلدان تخضع لإرادة الحاكم الفرد فتغيب حرية الأفراد وتنتهك حقوق الإنسان. فكانت الثورة للتعبير عن رفض احتكار السلطة، وإقامة الدولة المدنية الديمقراطية، لكن أساسا من أجل إنهاء احتكار الثروة، وإيقاف عمليات النهب المنظم التي تمارسها السلطة في البلدان العربية، ووضع حد للبؤس الاقتصادي والانهيار المعيشي الذي تعانيه فئات واسعة من الشعب.ذلك هو ما أعطى الثورات العربية زخمها الحقيقي، فعلى مر تاريخ الوطن العربي لم يندفع هذا العدد الهائل من الجماهير إلى الساحات، ليرفعوا شعارات: «الشغل والكرامة والحرية}.. {عيش، حرية، عدالة اجتماعية».

ذلك أن «التفكير في الحرية هو بالأساس تفكير في الدولة والمجتمع» على ما يذهب عبدالله العروي. وهكذا فإن تحقيق الحريات السياسية في الوطن العربي، كان ضرورة موضوعية تقتضيها الحالة البائسة لمختلف فئات الشعب، لكي تسير بالفعل نحو دولة مدنية، تتيح للفئات الشعبية المتضررة أن تنخرط في تنظيمات مستقلة عن جهاز الدولة، تمكنها من الدفاع عن مصالحها الحيوية.

خلاصة القول، إنه إذا كانت الدولة المدنية لـ”الربيع الأوروبي” مدفوعة بحاجات روحية وثقافية للإنسان (الحرية والديمقراطية)، فإن الدولة المدنية للربيع العربي، ورغم أنها مدفوعة بتلك الحاجات، غير أن أساسها يبقى في حاجات تلك الشريحة الأكثر بؤسا من الفئات الشعبية التي تقدمت صفوف الثورة.

انبثقت الدولة المدنية العربية من صرخة الشاب التونسي محمد البوعزيزي الذي أقدم على إحراق نفسه مدفوعا بمشاعر الاستبعاد الاجتماعي وعدم المساواة. في الحقيقة لا ننكر أهمية الحاجات الروحية والثقافية للإنسان، ولا نحاول ابتسار حاجاته بالجانب الاقتصادي، لكن الأمر هو على هذه الصورة في دولنا العربية الأشد تأخرا في التنمية والأكثر انتشارا للبطالة على مستوى العالم.

إن إصبع الاتهام يجب أن يوجه،إلى النظام الاقتصادي الاجتماعي في الدول العربية، الذي يجعل الحاجة الاقتصادية طاغية على ما سواها بالنسبة إلى الأغلبية الساحقة من الناس. ولا يشكل ذلك أساسا لاندلاع الثورات فحسب، وإنما لاستمرارها، واتخاذها شكل الصيرورة الثورية، التي لا يرجح أن تتوقف حتى تتمكن من تغيير نمط إدارة الاقتصاد ونمط توزيع الثروة.

كاتب فلسطيني- سوري

8