البوكر العربية أهي ضربة حظ أم مسابقة روائية

ما إن تعلن جائزة البوكر العربيّة عن اللائحة الطويلة في كلّ دورة، حتّى تبدأ التخمينات والتشكيكات والظنون تأخذ كلّ مأخذ. آراء متباينة تتجاذب واقع الجائزة، من معظّم لدورها، إلى مشكّك في نزاهتها، إلى زاعم الحياد، مرورا بمدّعي المقاطعة، وصولا إلى التهافت عليها.
الجمعة 2015/05/01
البوكر أحدثت حراكا في عالم الرواية العربيّة

جائزة البوكر العربيّة للرواية تثير سجالات لا تهدأ مع كلّ دورة جديدة، وهذا، إن كان يعكس حالة صحّية في جوانب منها، إلّا أنّه لا يخلو من توجيه أصابع الاتّهام، ووضع إشارات استفهام وتعجّب عن طبيعة سيرها، ابتداء من التنسيق لكلّ دورة، واختيار المحكّمين، وقبل ذلك لجنة الأمناء، وما قد يعكسه ذلك من وصاية غير ظاهرة، تمارس دورا كبيرا في الظلّ.

أحدثت البوكر حراكا في عالم الرواية العربيّة، ساهمت في جذب عدد من القرّاء إلى الرواية بعدما اتّسعت الهوّة بين القارئ والكتاب، وهذا يحسب لها. لكن الأمر ينعكس سلبا بدوره على الروايات الأخرى الصادرة في العام نفسه، بحيث أنّ القارئ العربيّ الذي يوصَف بأنّه خمول يرتكن للدعاية ولا يبحث بنفسه عن الروايات ويطّلع عليها.

يتمّ التركيز عادة في كلّ دورة على اللائحة الطويلة التي تحوي ستّ عشرة رواية، ثمّ يتمّ اختيار ستّا منها فقط في اللائحة القصيرة، ليتمّ تتويج عمل واحد، وينساق الإعلام وراء اللعبة، ويساهم، من حيث يدري أو لا يدري، بتكريس هذه الروايات والتعامل معها على أساس أنّها الأفضل عربيّا في دورتها، وذلك بغضّ النظر عن اختلاف الأذواق، والتخبّط الكبير الذي يقع فيه أعضاء لجنة التحكيم.

تتّهم البوكر بأنّها تراعي المناطقيّة والتوزّع الجغرافيّ، أو أنّها تحابي بعضهم على حساب آخرين، وأنّها تصدّر بعضا ممّن يشاركون في ورشات الكتابة، بالإضافة إلى اتّهامات لا تتوقّف عند شخص أو لجنة، إذ يكون لكلّ دورة نصيبها من الانتقادات والاتّهامات، وهناك من يشكّك بوجود أيّة جائزة عربيّة تحتفظ بمصداقيّتها الأدبيّة بعيدا عن الاعتبارات الشخصيّة والسياسيّة، والاقتصاديّة.

إنّ التعاطي مع جائزة البوكر ينبغي أن يختلف عن كونها جائزة لها معايير ومقاييس، مع إفساح مجال للمحكّمين

إن كانت الجائزة لعبة أو ضربة حظّ، فإنّ التعاطي معها ينبغي أن يختلف عن كونها جائزة لها معايير ومقاييس، مع إفساح مجال للمحكّمين كي يبرزوا ثقافتهم وشخصيتهم وتمايزهم في الاختيارات وتبريرها، ذلك أنّ ضربة الحظّ لا تحتاج إلى أيّ تدقيق، وقد تقدّم أو تؤخّر بعيدا عن أيّ اعتبار مقنع، وهذا ما يلاحَظ قسم منه في جائزة البوكر التي يبدو أنّ لها من اسمها المومئ إلى الحظّ واللعب نصيبا وافرا.

أمّا إن كان التعاطي معها كمسابقة أدبيّة، لها شروط وأحكام فهذا يفترض تعاملا آخر، ذلك أنّ الرواية كفنّ تحتاج إلى تمرّس ومران في القراءة والمقاربة والحكم، ولا يجدي القول في كلّ مرّة بأنّ الاختيار كان على أساس موضوعاتي أو لغوي أو إهمال الجوانب الأخرى، ذلك أنّ الأمر يندرج في سياق شموليّة فنّيّة وأدبيّة ما تتناقض مع رحابة فنّ الرواية وحرّيّة الروائيّ في مقاربة موضوعه ورسم عوالمه والإبحار في فضاءاته.

يمكن للجنة البوكر تخطّي هذه الإشكاليّة بأن تكتب تقريرها التفصيليّ عن كلّ عمل تختاره، وإبراز الجوانب المميزة فيه، والدوافع التي ساهمت باختياره وتفضيله على غيره، سواء من باب الموضوع أو الأسلوب أو اللغة أو الفكر أو المعالجة أو الطرح، وبذلك تتخطّى حرج التعميم والشمولية، وتنقذ نفسها من المقولات الفضفاضة التي لا تتناسب مع الدقّة والعلميّة والموضوعيّة بالنسبة إلى جائزة يفترض بها التأسيس لرواية عربيّة منافسة ومتطورة، ولا سيّما أنّها تنهض بأعباء ترجمة الأعمال المختارة إلى عدّة لغات.

كما ينقذها ذلك من الاتّهام بعدم القراءة، وخاصّة أنّ المدّة الزمنيّة للقراءة والاختيار تكون قصيرة جدّا بحيث تستحيل قراءة جميع الأعمال المرشّحة، وهنا يتمّ الانتقاء والاصطفاء على أسس غير موضوعية، ربّما يكون للتزكية فيها دور ما، أو للعلاقات والمحسوبيّات والشلليّات دور آخر.

مع كلّ دورة ينشط اتّهام لبعض لجان التحكيم أنّهم غير مطّلعين بما فيه الكفاية على فنّ الرواية

ينشط مع كلّ دورة اتّهام لبعض لجان التحكيم أنّهم غير مطّلعين بما فيه الكفاية على فنّ الرواية، ويكون التبرير المضادّ بالقياس إلى الجائزة في لغتها الأصليّة وكيف أنّه يتمّ اختيار محكّمين من مختلف الشرائح، أو القول بأنّ أعضاء اللجنة أكاديميون، وكأنّ الأكاديميّة مفتاح كلّ العلوم، ستار يسيء أكثر ممّا ينفع، فقد يكون أكاديميّ ما مختصّا في مجال لا يمتّ للرواية بصلة، أو لم يقرأ إلّا عددا محدودا من الروايات، وهذا لا يمنحه القدرة على التحكيم ولا الكفاءة لذلك. إذ لا يكفي أن يكون أحدهم طبيبا ليفهم في كلّ الأغراض والتفاصيل، فهل يمكن لطبيب أسنان مثلا أن يجري عملية جراحيّة على القلب؟

يحقّ لأعضاء لجنة التحكيم الانطلاق من ذائقتهم الأدبيّة والاحتكام إليها في اختياراتهم، باعتبارهم قرّاء قبل أن يكونوا نقّادا أو متخصّصين، لأنّ من حقّ أيّ قارئ اختيار العمل الذي يراه الأجمل من وجهة نظره، لكن عدم تبرير الاختيار بإقناع، أو التبرير بطريقة عشوائيّة يسيء إلى الذائقة نفسها، والانطباع الذي يخلّفه الأمر هو أنّ الانطلاق من القراءة الانطباعيّة لا ينصف الروايات ولا يمكن أن يساهم في تكريس رواية عربيّة متطوّرة.

15