البوليساريو: احتضار حقيقي ولو كان بطيئا

الأربعاء 2017/09/13

لم يعد خافيا اليوم أن الجزائر لم تعد تستفيد كما كانت من قبل، من قضية الصحراء المغربية والنزاع الإقليمي المفتعل حولها. غير أن هذا لا يعني أن النزاع تحول إلى عبء مطلق بالنسبة إلى القيادة الجزائرية على المستوى الإستراتيجي.

يتضح تراجع استفادة النظام الجزائري من خلال عدد من الأحداث والوقائع تعتبر مؤشرات لا تخطىء على طبيعة اتجاه الأحداث بما يعنيه من تآكل لرصيدها من هذا النزاع الذي يعرف مرحلة متقدمة من احتضار أداتها جبهة البوليساريو الانفصالية.

ويمكن رصد عدد من الأحداث في هذا السياق على الصعيد الأفريقي أولا، وعلى المستوى الدولي ثانيا، وعلى المستوى الجزائري الداخلي المزدوج أي في بعديه الصحراوي والجزائري الخاص ثالثا.

* انكسارات أفريقية: تتوالى هذه الانكسارات بشكل مطرد مع تنامي فعل وفعالية التحرك المغربي في القارة الأفريقية، على مستوى توسيع دائرة شراكاته الاقتصادية على قاعدة رابح رابح وولوج مؤسسات القارة. حيث تعتبر استعادة المغرب لموقعه الوازن ضمن الاتحاد الأفريقي تتويجا لمسار من الإنجازات المغربية أدت إلى قلب موازين القوى على مستوى العلاقات الأفريقية، بالنسبة للمغرب والجزائر معا.

ويمكن ملاحظة أن المغرب يسجل على الدوام خطوات على طريق محاصرة وعزل المشروع الانفصالي على مستوى القارة بموازاة تراجع نفوذ الجزائر على مختلف المستويات وخاصة بالنسبة لما يعانيه مشروعها المناهض للوحدة الترابية المغربية من نكسات ذات بعد حيوي وخطير على شاكلة سحب الاعتراف بجمهورية البوليساريو الوهمية أو تجميد الاعتراف بالجبهة الانفصالية.

* نكسات دولية: تراجع الدعم الدولي لـ”الجمهورية الصحراوية” المزعومة المقرون بضربات موجعة لجبهة البوليساريو دفعها، كما دفع الجزائر، إلى اعتماد أسلوب العنف المادي الملموس في مواجهة الدبلوماسية المغربية النشيطة كما تم إعطاء الدليل على ذلك خلال المؤتمر الوزاري الياباني الأفريقي في الموزمبيق الشهر الماضي، وكما أكدت ذلك فضيحة الاعتداء بالضرب على دبلوماسي مغربي من قبل مسؤول جزائري أمام مرأى ومسمع العالم بتشجيع من فنزويلا التي تم تكليفها بالسهر على عملية تزوير للحقائق بدعوى ضرورة إشراك جمهورية الوهم في لقاء دولي تحت رعاية الأمم المتحدة.

ولعل طرد المدعو “سفير الجمهورية الصحراوية” من البيرو مؤخرا هو مجرد فصل من فصول ما ينتظر جبهة البوليساريو في عدد من المحافل الدولية التي أدركت أن طول أمد مهزلة محاولة تسويق البوليساريو من قبل السلطة الجزائرية قد بلغ منتهاه، وأن الأوان قد حان للتعامل مع هذا الملف بمفردات أخرى، يمكن أن تسهم في استقرار منطقة المغرب الكبير وشمال أفريقيا وتقطع الطريق أمام انتشار عصابات الإرهاب والجريمة المنظمة التي ثبت أن البوليساريو لها أكثر من يد فيها خلال السنوات الأخيرة على أقل تقدير.

* توتر واحتقان في البيت: جاءت قضية الصحراويين الخمسين الذين طالبوا الحكومة الإسبانية بحق اللجوء هربا من جحيم المخيمات في تندوف لتطرح بشكل حاد ضرورة تحديد طبيعة وضعية المحتجزين في المخيمات الذين لم يحظوا إلى حد الساعة بوضع اللاجئين، والذين ترفض الجزائر وجبهة الانفصال الاستجابة لقرارات ودعوات الأمم المتحدة إلى إنجاز إحصاء لهؤلاء، خاصة بعد أن لمس المجتمع الدولي الكيفية غير الأخلاقية التي تتم بها المتاجرة بقضيتهم في مختلف المحافل الدولية.

وقد خلفت إعادة طرح هذه المسألة ردود فعل إيجابية داخل المخيمات، حيث ارتفعت أصوات العديد من المحتجزين تنتقد مواقف الجزائر والبوليساريو التي ترفض تمكين هؤلاء من وضعية اللاجئين بما يترتب عليها من تبعات ونتائج على مستوى الاستفادة من المساعدات الدولية التي لا تصل في الواقع غير من يدورون في فلك إستراتيجية الجزائر وقيادة الجبهة الانفصالية.

ومما لا شك فيه أن هذا الاحتقان داخل المخيمات المترافق مع الاستياء الداخلي المتزايد من موقف السلطات الجزائرية التي تعيش فوق كل هذا أزمة انتقال السلطة، لا يقوم إلا بحشر هذه الأخيرة في زاوية ضيقة.

ومن هنا فإن لجوء البوليساريو إلى أسلوب القرصنة أو رفع الدعاوى أمام هذه المحكمة الدولية أو تلك في مواجهة تقدم المغرب الدبلوماسي المتواصل ليس إلا محاولة منها لاعتماد أسلوب ما كان يسمى، في زمن ما، “العمليات ذات الصدى” وهي لا تنم عن قوة، لا في الموقف، ولا في الموقع، وإنما هي دليل على الشعور العميق بالإحباط.

واليوم تبدو دورة التزييف والتضليل التي مارستها الجزائر والبوليساريو بقوة وبإصرار منهجي خلال أكثر من أربعة عقود، بلغت أقصاها وأن مرحلة العد العكسي التي بدأت باستعادة المغرب لعدد من المواقع في أفريقيا بموازاة خسارة البوليساريو والجزائر لعدد منها قد عرفت انعطافة كبرى منذ استعادة المغرب لموقعه داخل مؤسسات القارة الأفريقية.

كاتب مغربي

7