البوليساريو تستخدم أطفال الصحراويين لاستمالة الفاتيكان

باحثون يرون أن ميل جبهة البوليساريو إلى أسلوب استعطاف قيادة المسيحية بالفاتيكان محض بهتان ومجرد لعب بالسياسة في أحضان الدين.
الاثنين 2018/08/13
الزج بالأطفال في الدعاية السياسية

أعادت حادثة تقديم أطفال من داخل مخيمات تندوف إلى الحضرة البابوية بالفاتيكان الأربعاء 8 أغسطس الجاري، الجدال إلى الواجهة حول علاقة قيادات البوليساريو بالدين والتدين سواء المسيحي أو الإسلام، وتسهيلها لنشاطات الجمعيات التبشيرية داخل المخيمات.

وكان البابا فرنسيس، بابا الفاتيكان قد استقبل أطفالا تتراوح أعمارهم بين الخامسة والعاشرة، أطلقت عليهم الدعاية الانفصالية، “رسل السلام الصحراويين”، في إطار ما يُسمَّى “عطل السلام” التي تنظمها البوليساريو وتهدف من ورائها إلى استغلال العاطفة الدينية لدى الأوروبيين لاستجلاب الدعم المادي والسياسي.

وبعيدا عن الزاوية الحقوقية التي يمكن تناول الموضوع من خلالها، يهمنا الجانب الديني كمحدد خطير وفعال توافق عليه أقطاب البوليساريو منذ زمن لاستغلاله لصالح أطروحتها الانفصالية، حيث أن حضور أولئك الأطفال وهم يرتدون الزي الصحرواي مع أعلام البوليساريو، وبمعية ممثل الجبهة بإيطاليا “أميه عمار”، وكذلك رؤساء جمعيات تدعم حملات التنصير، هو استغلال سافر لرموز سياسية وهوياتية داخل فضاء الفاتيكان الذي يشكل الهوية الدينية للكاثوليك عبر العالم.

وخصَّ البابا فرنسيس أطفال الجبهة بتحية سلام في الوقت الذي قدموا إليه “هدية باسم الشعب الصحراوي، متمثلة في لوحة ترمز إلى السلام وحفنة صغيرة من تراب، كما سلموه رسالة خطية من الشعب الصحراوي”، وفق ما نقلته وسائل الدعاية الانفصالية، وهذا الأسلوب الذي يدعي من خلاله القائمون على هذه الخطوة حرصهم على “إحلال السلام والتسامح”، يتناقض مع سلوكهم على الأرض داخل المخيمات حيث لا يوجد هناك أي مظهر من مظاهر الدين ولا إشارات للتسامح والتعاطف.

ويقول باحثون إن ميل جبهة البوليساريو إلى أسلوب استعطاف قيادة المسيحية بالفاتيكان محض بهتان ومجرد لعب بالسياسة في أحضان الدين، وهي التي زوّرت تاريخ المنطقة المحلي الصحراوي الحافل بنماذج الدعاة والشيوخ والعلماء والزوايا والطرق الصوفية، وعملت على مسخ هويتها ومحاربة العامل الديني لأنه لا يخدم أطروحة الانفصال التي تتبناها الجبهة بل بالعكس فالعامل الديني والروحي يؤكد الوحدة المذهبية والدينية والارتباط الروحي والوحدة الترابية بين شمال المغرب وجنوبه وسيادة الدولة المغربية على الصحراء منذ تأسيسها.

وتبني قيادات البوليساريو للنظرية الماركسية وانضمامها للحركات القاعدية جعلاها تعادي أي مسلك ديني وخصوصا كل ما له علاقة بالإسلام، لأن الهاجس الدوغمائي المسيطر آنذاك على سلوكياتها كان هو الغالب في تبنيها لذلك المسلك، ومع مرور الوقت كان الاحتكاك بدول وجمعيات وحركات تنصيرية بأوروبا وأميركا مسلكا براغماتيا آخر غير الحقوقي أو السياسي للترويج لأطروحتها الانفصالية والاسترزاق بالأطفال المحتجزين.

ميل جبهة البوليساريو إلى أسلوب استعطاف المسيحية بالفاتيكان محض بهتان ولعب بالسياسة في أحضان الدين

وفي ذات المسار، شدد مصطفى ولد مولود، القيادي السابق في جبهة البوليساريو، على أن الجبهة ارتكبت أخطاء شنيعة وفظيعة في حق الدين الإسلامي، لأن الجبهة وجدت المجتمع الصحراوي مجتمعا محافظا وبدرجة قياسية جدا، ولما أُخذ هذا المجتمع إلى المخيمات تم تحويله إلى مجتمع شيوعي بامتياز، وتم إجبار الناس كلهم على الصلاة بالتقصير، وممنوع عليك الصلاة أربع ركعات، وكان الصوم ممنوعا، لأن القادة أصدروا فتوى أنه لا يجوز الصوم. وخلص ولد مولود، إلى أن منظمة البوليساريو أهملت ـ إن لم تكن حاربت ـ الجانب الديني للمجتمع الصحراوي، وهذا أوجد فراغا روحيا وفكريا.

ومن جهته يقول عبدالفتاح الفاتحي، خبير استراتيجي في قضايا الصحراء والشؤون الأفريقية، إن البوليساريو وبعدما لم يتأت لها تحقيق إنجاز نوعي بالورقة الحقوقية بعد أساليب الدعاية السياسية والإعلامية من خلال لباس الجلباب الجزائري في المنتديات الدولية ولدى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية، تحاول مرة أخرى عبر رجالات الدين، تصدير توصية أممية في حقوق الإنسان تحيي أمل الجزائر في نيل منفذ على المحيط الأطلسي.

وحتى تخلط الجبهة خلطتها لاستعمال الدين كشكل جديد من أشكال الدبلوماسية لإثارة مسألة حقوق الإنسان في المنتديات الدولية ومواصلة العمل عليها لإنهاك الموقف التفاوضي المغربي، يؤكد الخبير عبدالفتاح الفاتحي، أنها عملت على تديين السياسية أو تسييس الدين. وقد برز هذا في سبتمبر 2011، بعد دعوة قساوسة للمشاركة في ملتقاها لحوار الأديان الذي حمل عنوان “داود عليه السلام في الكتب السماوية” و”قصة داود بين القران والتوراة”.

وقال متابعون للشأن الصحراوي إن زيارة الأطفال إلى دولة الفاتيكان سبقها تنسيق بين قيادة البوليساريو ووفد إيطالي يتقدمه عمدة بلدية مونتي بيرتولي جيولو مانغاني، في أبريل 2018، الذي يضم أيضا نائب العمدة ماسيميليانو كالميتا، وفيوريلا بيندوني، رئيسة ما تسمّى بـ”جمعية أصدقاء الجمهورية الصحراوية” بذات البلدية وعدد من الصحافيين وممثلي الجمعيات الدينية والحقوقية.

وتطرح مشاركة أطفال صحراويون من مخيمات تندوف بدولة الفاتيكان عدة أسئلة تخص الثمن الذي قدمته جبهة البوليساريو مقابل دعم الجمعيات التنصيرية بتوفير المساعدات العينية والدعم السياسي داخل أوروبا وأميركا للأطروحة الانفصالية. ويرى مهتمون بالشأن الديني أن تلك المنظمات تسعى من خلال هذا المعطى، وبكل الوسائل، إلى ترسيخ قدمها داخل المخيمات وخلق أقلية نصرانية باستغلال الأطفال وتدجينهم دينيا.

وفي هذا السياق قال محمد السروتي، الخبير في ملف التنصير والأستاذ بجامعة مكناس، إنه بعد فشل جبهة البوليساريو سياسيا، وانحدارها أخلاقيا، تحاول من خلال رجالات الدين النصراني استخدام الدين كشكل جديد من أشكال الدبلوماسية التي تراهن عليها بغية إنهاك الموقف التفاوضي المغربي، مستحضرا أن هذه الظاهرة مسكونة بروح الانفصال والتفتيت، متمثلة في الترابط الوطيد بين التنصير وتكريس التجزئة والانفصال، وفي سعيها الحثيث إلى استنبات الأقليات من خلال إيراد معطيات عن نسب مرتفعة للمتنصرين في البلد أو المنطقة المستهدفة، وتوظيفها لخلخلة البنية الدينية أولا، ثم بغية أن تكون عنصر إضعاف وابتزاز على المدى المتوسط والبعيد.

13