البوليساريو تهدد.. ولا فرصة لأمراء الحرب في الصحراء المغربية

العوائق التي تريد البوليساريو وضعها أمام أي تسوية سلمية مردها ضمور أطروحتها الانفصالية وتراجع مجموعة من الدول عن الاعتراف بها ككيان يملك وجودا سياسيا إلا من تلك المعادية للوحدة الترابية للمملكة المغربية.
الجمعة 2019/08/30
البوليساريو إلى حد الآن لم تكن شريكا موثوقا في البحث عن حل سلمي عن طريق المفاوضات

خروج إبراهيم غالي زعيم البوليساريو على قناة “الحرة” في 20 أغسطس الجاري، ليعيد تكرار لأزمة الحرب على المغرب، لم ولن يغير من الوضع السياسي ولا الدبلوماسي أو الجغرافي شيئا. فقيادة البوليساريو لا تزال رهينة لوصاية الجنرالات بالجزائر. والمغرب مستمر في ممارسة سيادته وحقوقه القانونية والاقتصادية فوق صحرائه وتنمية أقاليمه الجنوبية كدولة ذات سيادة.

تهديدات البوليساريو بالحرب على المغرب، سواء من على منبر قناة “الحرة” أو في مناسبات أخرى، ينبئ بإخفاق كلي وتام لأطروحة الانفصال، بل بتورط مباشر في محاولة إدخال المنطقة في دوامة اللاأمن، وهو ما ذهبت إليه صحيفة “وول ستريت جورنال”، في مقال نشرته الأحد 11 أغسطس الجاري، بالقول، إنه في الوقت الذي يعمل فيه المجتمع الدولي على إخماد بؤر التوتر وتثبيت السلم والأمن، لا تزال “البوليساريو” تشكل تهديدا خطيرا للاستقرار في شمال أفريقيا وفي منطقة الساحل. ولن تساورنا الشكوك إذا ما جزمنا بأن سلوك إبراهيم غالي، كان بمثابة رد متشنج حول ما أشارت إليه صحيفة “وول ستريت جورنال” في أن “البيت الأبيض، وإدراكا منه للمخاطر التي تشكلها البوليساريو، عازم على وضع حد لهذا النزاع”، مشددة على أن “الدينامية الحالية تحت رعاية الأمم المتحدة هي الخيار الأكثر أمانا والأقل كلفة من أجل التوصل إلى حل توافقي”.

لذا فادعاء الجبهة الانفصالية مرة أخرى بأنها حريصة على التسوية عن طريق المفاوضات، وتنبيه ما يسمى بـ”الأمانة الوطنية لجبهة البوليساريو” مؤخرا، إلى ما وصفته بـ”خطورة عودة الانسداد إلى مسار التسوية الأممي الأفريقي”، هو تدليس قانوني وسياسي لاعتبارات ثلاثة:

أولا، لأن الملف بيد منظمة الأمم المتحدة، وهي من لها الحق في التعاطي مع حيثياته وليس الاتحاد الأفريقي.

ثانيا، القرار ليس بيد الجبهة حتى تفتي بغياب الاهتمام من طرف مجلس الأمن الدولي والمجتمع الدولي عامة، لكون المجلس قد أصدر عددا من القرارات التي تهم ملف الصحراء.

ثالثا، أن البوليساريو إلى حد الآن لم تكن شريكا موثوقا في البحث عن حل سلمي عن طريق المفاوضات، بدليل أن زعيمها هدد في أكثر من مرة بإشعال المنطقة، وهو ما يخالف كل القرارات الأممية التي تحث على الحل السلمي.

بالتالي فتناقض زعيم الانفصاليين واضح عندما ينفي اهتمام مجلس الأمن بملف الصحراء المغربية، وفي الوقت ذاته يطالبه بـ”اتخاذ الخطوات الصارمة والعاجلة لتفادي انزلاقات وتبعات خطيرة”. وبصفته الهيئة الرئيسية لإدارة الأزمات في الأمم المتحدة، لا بد من التذكير بقرار مجلس الأمن 2468 الذي كرس مسار الموائد المستديرة كطريق سالك للتوصل إلى حل سياسي لهذا النزاع الإقليمي.

العوائق التي تريد البوليساريو وضعها أمام أي تسوية سلمية مردها ضمور أطروحتها الانفصالية وتراجع مجموعة من الدول عن الاعتراف بها ككيان يملك وجودا سياسيا إلا من تلك المعادية للوحدة الترابية للمملكة، وقد توضح هذا بعدما أكدت اليابان رسميا في 28 أغسطس الجاري، أثناء انعقاد القمة السابعة لمؤتمر طوكيو الدولي المعني بالتنمية بأفريقيا (تيكاد 7)، أنها لا تعترف بكيان وهمي اسمه البوليساريو، وهي ضربة صادمة لمن قرر إقحام هذا الكيان في المؤتمر رغم عدم توفره على أركان الدولة ومقوماتها.

ومنذ أن تقدم المغرب بمبادرته للحكم الذاتي في العام 2007، كتصور واقعي للحل بالصحراء، خرج إبراهيم غالي، على قناة الحرة، ليقول بشكل لا مسؤول، ودون تقديم بديل سياسي مقبول دوليا، أن مقترح الحكم الذاتي في الصحراء “وُلد ميتا”، لافتا إلى “أننا لسنا مغاربة حتى يعطى لنا حكم ذاتي، الحكم الذاتي حلول تعطى لمناطق متمردة داخل دولة معينة، نحن لم نكن مغاربة ولسنا مغاربة ولن نكون مغاربة”.

تصريح انفعالي غاضب مرده الضغوطات المفروضة على قيادة البوليساريو من الداخل والخارج، والخوف من التحولات الجيوسياسية التي تمر بها المنطقة والعالم والتي لا تخدم خطط الانفصاليين وداعميهم، وهو ما دفع إبراهيم غالي إلى نفي صفة المَغربة الثابتة بالولادة والتاريخ والجغرافيا والنسب، وإطلاق حكم قيمة لا أساس سياسيا له على مقترح يعترف بمصداقيته كل المجتمع الدولي، ليثبت أنه لا يملك مواصفات القيادة التي تؤهله إلى فتح حوار سياسي باسم ساكنة تندوف لتسوية الملف بالطرق المعروفة والمتبعة من طرف الهيئة الأممية التي تشرف على ملف الصحراء منذ عقود.

العوائق التي تريد البوليساريو وضعها أمام أي تسوية سلمية مردها ضمور أطروحتها الانفصالية وتراجع مجموعة من الدول عن الاعتراف بها ككيان يملك وجودا سياسيا إلا من تلك المعادية للوحدة الترابية للمملكة

على المستوى الأفريقي لعبت الدبلوماسية المغربية أدوارا كبيرة، سواء قبل أو بعد استعادة الرباط مقعدها بالاتحاد الأفريقي، فانكشف معها تهافت تهديدات البوليساريو وضحالة موقعها وموقفها الجهوي والدولي، استنادا إلى أربعة مؤشرات كالتالي:

1 - سحب اعتراف عدد من الدول الأفريقية والآسيوية بكيان وهمي ضَخَّمَ وجوده البترودولار الجزائري.

2 - اقتناع الأمم المتحدة بأن الجزائر طرف معني رئيسي في النزاع وضرورة حضورها في مائدة المفاوضات.

3 - فشل قيادة البوليساريو في تهيئة أجيال جديدة تؤمن بفكرة الانفصال وتدافع عنه، ليتطور وعي المحتجزين داخل المخيمات إلى الاحتجاج والمطالبة بشروط العيش الكريم والتمتع بحرية الاختيار والقرار.

4 - قرار الاتحاد الأوروبي بتجديد اتفاق الصيد البحري ويشمل جميع المنتجات المغربية وكل المياه الإقليمية الشمالية والجنوبية دون استثناء.

الواقع أن البوليساريو لا تسعفها الإمكانيات الاقتصادية واللوجيستية والعسكرية لشن أي حرب إقليمية طويلة أو متوسطة المدى، وهذه حقيقة يعيها جيدا المنتظم الدولي، في حين استطاع المغرب دمج قدرات تسليحية جديدة واستراتيجية ودبلوماسية عززت من فعالية القوة العسكرية لمواجهة أي تحديات محتملة على أرض الصحراء، إلى جانب اندماج كلي في ترسيخ قيم كونية لنظام دولي أكثر استقرارا وتعزيز أنماط التعاون بين الدول، الشيء الذي وفر مصداقية أكبر للمملكة.

وما إصرار البوليساريو على تغيير ملامح الوضع بمنطقة الكركرات إلا محاولة يائسة للفت الأنظار إليها، ليكون رد المغرب الطبيعي والقانوني والسيادي هو تأمين حدوده من أي تحركات مشبوهة، وضبط أي حركة للعصابات والمنظمات الإجرامية، بوضع مراكز مراقبة للشرطة الحدودية ورجال الدرك والجمارك قرب معبر الكركرات في إطار مشروع متكامل لتأهيل المنطقة اقتصاديا وإداريا وتنمويا.

في آخر المطاف يبدو أن قيادة البوليساريو اختلط عليها الأمر، فلا هي تريد تسوية سياسية يعود بفضلها كل المحتجزين في مخيمات تندوف إلى أرضهم الأصلية، ولا تستطيع الذهاب بعيدا في تطبيق تهديداتها بالعودة إلى السلاح، لأنها تعلم جيدا أن اتخاذ هذا القرار بتعقيداته لا يمكن أن يبت فيه إبراهيم غالي ومجموعته، ولا حتى الجزائر في ظروفها الحالية.

9