البوليساريو وكاراكاس تفقدان داعما قويا بعودة العلاقات الكوبية المغربية

اندلعت أزمة دبلوماسية جديدة بين الرباط وكراكاس على خلفية تصريحات مندوب فنزويلا في الأمم المتحدة طالب إدراج الصحراء المغربية ضمن برنامج تنموي تابع للأمم المتحدة في شكل تعمّد إقصاء الصحراء من خارطة التراب المغربي، الأمر الذي استحق ردا سريعا وحازما من سفير المغرب لدى الأمم المتحدة عمر هلال ذكّر فيه نظيره الفنزويلي بما يجري في بلاده من احتجاجات ضد الفقر والتنمية المتأخرة في بلد يقبع على بحر من النفط، ضمن رد لقي صدى دوليا خصوصا بين قوى أميركا اللاتينية التي رحبت في ذات الوقت بعودة العلاقات بين المغرب وكوبا في خطوة ستساهم في التقريب بين مثلث أفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا.
الأحد 2017/04/23
الشارع المغربي بمختلف مكوناته وأقاليمه ينتفض عند أي محاولة للمساس بوحدة أراضيه

الرباط – مازال طيف هوغو تشافيز يخيم على فنزويلا، وفشل نيكولاس مادورو فشلا ذريعا في أن يحلّ محله أو يعوض غيابه، بل إن البلاد انهارت أكثر منذ أن تسلّم الرئاسة وسحب صلاحيات البرلمان ومنع الشعب من التعبير عن رأيه والتنفيس عن غضبه من ارتفاع الفقر في بلد يمتلك أكبر احتياطي نفطي في العالم.

وما تعيشه فنزويلا اليوم من احتجاجات لم يعد من الممكن ردعها ولم تعد تهاب الجيش المنتشر في الشوارع، وفي مواجهة معارضة سياسية صوتها يقوى يوما بعد يوم، وتطالب بالانتخابات، الأمر الذي يخشاه مادورو لتأكده من أنه سيمنى بهزيمة ساحقة، في وقت بدأ فيه «الرفاق» يتحولون، فكوبا تصالحت مع “العدو” الأميركي، وعموم الكتلة اللاتينية تشهد تحولات لافتة في مسار سياستها الخارجية وذلك في خضم صعود للأحزاب اليمينية التي فازت بالعديد من الانتخابات.

في ظل هذه المشهد القاتم لم تجد كاركاس من وسيلة لتخفيف الضغط عنها غير اتّباع سياسة تصدير أزماتها إلى الخارج، على غرار ما تفعله الأنظمة الأوليغارشية. وبالنظر إلى أنه لم يعد في يد فنزويلا وما شابهها من أوراق كثيرة تلعب بها لجأ المندوب الفنزويلي راميريز كارينيو إلى استحضار ورقة الصحراء المغربية لتحويل وجهة الاهتمام في اجتماع للأمم المتحدة يناقش ما تحقق من برنامج التنمية المستدامة الأممي.

أمام الحقائق والأرقام التي تقول إن المليار برميل من النفط و148 تريليون قدم مكعب من الغاز وغيرها من الثروات الهائلة التي يحتضنها باطن فنزويلا لم تق سكان البلاد من شرّ الفقر والحاجة، اختار راميريز كارينيو أن يتحدّث عن التنمية في الصحراء المغربية، معتمدا على ما تسوّقه جبهة البوليساريو الانفصالية التي تدعهما كاركاس ودون التثبت من الحقائق والأرقام الموثّقة فيما يخص التنمية في أقاليم الصحراء المغربية.

وتشير تقارير دولية عديدة إلى أن المغرب باشر مخططا طموحا يهدف إلى الرقيّ بالصحراء إلى مستوى تنمية مشابه لنظيره بباقي أقاليم البلاد، وذلك انطلاقا من اقتناعه بأن التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية ستؤدي إلى حلّ النزاع المفتعل حول هذا الجزء الذي لا يتجزأ من الأراضي المغربية؛ وأشارت ذات التقارير إلى أن فنزويلا تعدّ من أكثر البلدان فقرا وتأخّرا بمعدلات التنمية عالميا، مقارنة بما يملكه من موارد ضخمة.

خرق السفير الفنزويلي، وهو يضع قضية الصحراء المغربية في نفس ميزان الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، أحد أهم بنود حركة عدم الانحياز التي تنتمي إليها فنزويلا والتي احتضنت القمة السابقة للحركة العام الماضي منيت خلالها بخيبة كبيرة عندما فشلت في إقناع الدول المشاركة بتوجيه دعوة للبوليساريو.

استئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرباط وهافانا يمكن الدبلوماسية المغربية من قطع مرحلة دبلوماسية جديدة بحمولة رمزية أكبر

كانت الدول المشاركة تعي جيدا أهمية القضية بالنسبة إلى المغرب الذي تربطها به علاقات متينة بالإضافة إلى قناعتها الراسخة بشرعية دفاعه عن أراضيه. وخلال تلك الدورة نجح المغرب من خلال أصدقائه في الضغط على المسؤولين الفنزويليين لسحب الخارطة التي تعمدت فصل الصحراء عن بقية التراب المغربي.

ومن أبرز مبادئ حركة عدم الانحياز، التي بات ما يفرق بين الدول الأعضاء فيها أكثر مما يجمعها، احترام سيادة جميع الدول وسلامة أراضيها وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول الأخرى أو التعرض لها واحترام حق كل دولة في الدفاع عن نفسها، بطريقة فردية أو جماعية، وفقا لميثاق الأمم المتحدة. وعدم استخدام أحلاف الدفاع الجماعية لتحقيق مصالح خاصة لأيّ من الدول الكبرى وعدم قيام أيّ دولة بممارسة ضغوط على دول أخرى.

لكن المتابع لتعامل كراكاس مع قضية الصحراء المغربية ودعمها لجبهة البوليساريو الانفصالية يرى خرقا فاضحا لكل هذه البنود، وهو أمر غير مستغرب وفق المراقبين بالنظر إلى ما يجري داخل البلاد من عدم احترام لحقوق الإنسان وقمع للمتظاهرين والمعارضين في بلاد تتحول إلى دكتاتورية مطلقة فيما بدأ جوارها يراجع سياساته ويميل نحو اليمين على خلفية فضائح الفساد داخل الأحزاب اليسارية الحاكمة والأزمة الاقتصادية والرغبة في إنهاء العزلة.

تأييد إقليمي

ليست هي المرة الأولى التي تعمل فيها فنزويلا على محاولة تغيير مسار قضية الصحراء المغربية لفائدة جبهة البوليساريو، فمثلا في يونيو الماضي وقعت مواجهة دبلوماسية في مقر الأمم المتحدة بين مندوبي المغرب وفنزويلا على خلفية دعم الأخيرة لقضية البوليساريو أثناء جلسة لبحث مشكلة الصحراء المغربية.

وندد حينها السفير المغربي عمر هلال يتصرف نظيره الفنزويلي واتهمه بمحاولة “فرض موقفه على اللجنة وتغيير القواعد بقفل الميكروفون وحرمانه من إعلاء صوته”.

وفي تصريحات صحافية تابعت الجدل في يونيو الماضي قال هلال إن المندوب الفنزويلي يريد أن يفعل في الأمم المتحدة “ما يفعلونه في كاراكاس”، إذ “تطبق فنزويلا معايير دكتاتورية، كالتي يفرضها رئيسها”.

واعتبر كذلك، أن راميريث “يتبنى موقفا أيديولوجيا” لدى معالجة قضية الصحراء المغربية، يتعارض مع “اللائحة الداخلية” للجنة.

ومن النادر أن تلجأ الدبلوماسية المغربية إلى التدخل في شؤون الدول أو حتى الرد المباشر على بعض الاستفزازات ومزايدات البعض من الدول والأطراف عبر توظيف قضية الصحراء المغربية.

لكن مواصلة فنزويلا السير على نفس الخط الاستفزازي وتحول قضية الصحراء المغربية إلى ورقة يلوّح بها كل من يرغب في الضغط على المغرب، على غرار بعض الأطراف الأوروبية، يدفع الرباط إلى الرد للتأكيد على أن وحدة التراب المغربي ليست للمزايدات السياسية من أيّ طرف.

وكانت الحكومة المغربية في العام 2009 قررت إغلاق السفارة المغربية في فنزويلا وتحويلها إلى جمهورية الدومينيك، بسبب العداء المتزايد للسلطات الفنزويلية من الوحدة الترابية للمملكة المغربية.

وفي 12 مارس 2013 وبمناسبة تنصيب رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو استقبل وفدا من البوليساريو، وفِي هذا اللقاء عبر الرئيس عن مواقف خطيرة تجاه الوحدة الترابية للمغرب.

لذلك كان السفير عمر هلال حازما في الرد على نظيره الفنزويلي حين رد على تزييفه لحقائق التنمية في الصحراء المغربية بأن الرباط لم تنتظر المصادقة على أهداف التنمية المستدامة لإطلاق نموذج للتنمية المستدامة في الصحراء بغلاف مالي يتجاوز السبعة عشر مليار دولار لعشر سنوات من أجل إقامة المشاريع والاستثمارات الصناعية وتأهيل الموانئ واستخراج الثروات، التي تخلق بشكل مباشر أكثر من 120 ألف فرصة عمل، وهو ما يضمن للصحراء تنمية مستدامة دون الحاجة إلى الأمم المتحدة أو غيرها.

ولاحظ هلال أن الدعوة التي أطلقها الرئيس مادورو للحصول على مساعدة إنسانية من الأمم المتحدة في وقت تزخر فيه البلاد بموارد النفط والغاز، تمثل إقرارا بفشل نظامه ودليلا على إفلاس حكومته، وخصوصا دبلوماسيته. وأضاف أنه في الوقت الذي لا يجد فيه شعبه الأدوية للتداوي ولا الأطعمة للغذاء ولا الحليب لإطعام الرضع، زد على ذلك إقدام الحكومة على إغلاق المدارس لتوفير الكهرباء، يسمح سفيرها بنيويورك لنفسه بالتجول في طائرتيه الخاصتين بالولايات المتحدة وبلدان الكاريبي.

احتجاجات متصاعدة في فنزويلا ضد نيكولاس مادورو وسط أجواء متوترة للغاية في ظل سقوط 20 قتيلا، وأعمال شغب ومئات الاعتقالات منذ بداية التظاهرات التي تطالب بتنحي الرئيس الاشتراكي.

شدد هلال على أنه لا يمكن الحديث عن تنمية مستدامة في غياب الديمقراطية ودون احترام حقوق الإنسان ودولة الحق والقانون مؤكدا أن الدكتاتورية والمجاعة تلحقان العار بهذا البلد الكبير بأميركا اللاتينية، وأنه لا يمكن تحقيق أيّ تنمية مستدامة في ظل الدكتاتورية الحالية.

ولأن ما تحدث به السفير المغربي حقيقة لا يمكن طمسها سواء فيما يتعلق بالتنمية في الصحراء المغربية أو بالممارسات الدكتاتورية الحاصلة في فنزويلا، من الطبيعي أن يلاقي هذا الحديث تأييدا جاء صداه الأبرز من الدول اللاتينية حيث أشاد البرلمان البيروفي بالموقف الذي عبر عنه الممثل الدائم للمغرب لدى الأمم المتحدة بشأن الأحداث في فنزويلا.

وفي كولومبيا، احتل رد السفير عمر هلال الصفحات الأولى لوسائل الإعلام الكولومبية، كما تصدر الخبر موقع مركز التفكير الكولومبي “سيبيلاتام” المتخصص في تحليل القضايا السياسية والاستراتيجية بأميركا اللاتينية، والذي يتابع عن كثب الأوضاع التي تعيشها فنزويلا.

وكتبت المحللة السياسية في المركز كلارا ريبيروس في مقال تحليلي تحت عنوان “المغرب يسائل دكتاتورية فنزويلا” أن الممثل الدائم للمملكة المغربية لدى الأمم المتحدة عمر هلال انتقد خلال النقاش الذي جرى الثلاثاء الماضي بمقر المنظمة الأممية حول تمويل أهداف التنمية المستدامة، “الدكتاتورية الفنزويلية وسيطرة الحزب الحاكم منذ 17 عاما على الثروات الوطنية” للبلاد.

وأشارت ريبيروس إلى أن الدبلوماسي المغربي لم يغفل في انتقاداته لنظام نيكولاس مادورو الصور التي انتشرت على نطاق واسع عبر العالم والتي “تظهر القمع الوحشي للمتظاهرين السلميين الذين يتطلعون لاستعادة الديمقراطية”.

وفي تقدير ريبيروس فإن موقف المغرب يأتي منسجما مع مواقف عبّرت عنها العديد من بلدان المنطقة ومن بينها الأرجنتين والبرازيل والشيلي وكولومبيا وكوستاريكا والمكسيك والباراغواي والبيرو والأروغواي، وهي بلدان أدانت بشدة العنف المندلع في فنزويلا، مشيرة إلى أن هذه الدول أعربت عن أسفها لكون الحكومة الفنزويلية تتجاهل دعوات المجموعة الدولية من أجل السماح بتنظيم احتجاجات سلمية وضمان الحقوق الأساسية وحماية السلم الاجتماعي.

وتعيش فنزويلا منذ أشهر على وقع احتجاجات سياسية واجتماعية بسبب الانهيار الاقتصادي الذي تتهم قوى المعارضة حكومة مادورو بالمسؤولية عنه. وأدت الاحتجاجات التي صاحبتها عمليات نهب وسلب في العاصمة الفنزويلية كاراكاس إلى مقتل 12 شخصا.

كوبا في صف المغرب

يرى مراقبون أن مطالبة فنزويلا بإدراج الصحراء المغربية ضمن خطة الأمم المتحدة للتنمية المستدامة موقف يعكس إفلاسا سياسيا؛ فيما يذهب آخرون إلى ربط هذا التصعيد بعودة العلاقات بين المغرب وكوبا الحليفة التاريخية لفنزويلا والتي كانت إلى وقت قريبا من أكثر الدول الداعمة لجبهة البوليساريو.

لكن هافانا في الفترة الأخيرة بدأت تتخذ مسارا مختلفا عن مسار كاراكاس بعد تطبيع العلاقات مع واشنطن فيما يشكل صدعا في جدار التحالف البوليفاري. ويضم التحالف الذي أطلقه تشافيز وفيدل كاسترو في 2005 كلا من الإكوادور وفنزويلا وكوبا وبوليفيا ونيكاراغوا، لكن نفوذه تراجع بشكل كبير خلال الأعوام الأخيرة.

وفي قمة الجدل الذي أثارته فنزويلا بشأن الصحراء المغربية، أعلنت هافانا عن عودة العلاقات المغربية الكوبية بعد قطيعة أكثر من ثلاثة عقود. وكان لهذا الإعلان صدى في أروقة الأمم المتحدة وفي العواصم العالمية والأفريقية وفي دول أميركا اللاتينية، نظرا للدور الذي يمكن أن يضطلع به المغرب في دينامية التقريب بين مثلث أفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الاستراتيجي.

المغرب باشر مخططا طموحا يهدف إلى الرقيّ بالصحراء إلى مستوى تنمية مشابه لنظيره بباقي أقاليم البلاد، وذلك انطلاقا من اقتناعه بأن التنمية البشرية والاجتماعية والاقتصادية ستؤدي إلى حلّ النزاع المفتعل حول هذا الجزء الذي لا يتجزأ من الأراضي المغربية

ونقلت وكالة المغرب العربي للأنباء عن الرئيس السابق لمجلس المستشارين محمد الشيخ بيد الله، قوله خلال الدورة السادسة لـ”المثلث الاستراتيجي: أميركا اللاتينية ومنطقة بحر الكاريبي وأوروبا وأفريقيا”، إن المغرب قام بالعديد من المبادرات المهمة للتقريب بين أطراف هذا المثلث الاستراتيجي، مبرزا في هذا الصدد العلاقات المؤسساتية التي تربط الرباط بالكتل الثلاث.

واعتبر رضا الفلاح أستاذ العلاقات الدولي في تصريح لـ”العرب” أن الاتفاق حول عودة العلاقات الدبلوماسية بين المغرب وكوبا ينسجم مع المنهجية الجديدة للسياسة الخارجية المغربية المعتمدة على خطة توسيع شبكة العلاقات عبر العالم لتعزيز الحضور الدبلوماسي والاقتصادي.

وقام العاهل المغربي الملك محمدا السادس برحلة خاصة رفقة أسرته، في 7 أبريل الجاري، إلى جزيرة كايو سانتا ماريا التابعة لأرخبيل خردينيس ديل ري، شمال محافظة بييّا كلارَا الكوبية، في خطوة سجلت نهاية قطيعة سياسية ودبلوماسية منذ العام 1980 بسبب اعتراف هافانا بـ”الجمهورية العربية الصحراوية” التي أعلنتها من طرف واحد في 1976 جبهة بوليساريو في خرق لكل الأعراف الدولية.

ويحمل استئناف العلاقات في طياته عبرا ودروسا لكل من يتعنت في الاعتقاد بأن الشعوب تتغذى على الأيديولوجيا والخطاب السياسي المنفصل بشكل كامل عن الاحتياجات والتطلعات المشروعة. فقد ماتت المبادئ الأيديولوجية التي أججت الحرب الباردة وشبعت موتا ودفنت في ثنايا التاريخ.

كما أن الأنظمة التي انكفأت على نفسها لم تقم سوى بتأخير القدر المحسوم، أي تطلع الشعوب إلى الرفاهية والازدهار.

وأكد محمـد الزهراوي الباحث في العلوم السياسية بجامعة القاضي عياض لـ”العرب” أن هذا التوجه مرتبط بـ”العقيدة الدبلوماسية” للرباط المرتكزة على تنويع الشركاء والانفتاح على القوى الدولية والإقليمية المختلفة، واعتماد سياسات هجومية للدفاع عن الوحدة الترابية من خلال اختراق المعاقل التقليدية للبوليساريو.

4