البيئة العدائية أثرت على علاقة الأفراد داخل الأسرة التونسية

كشفت تقارير تونسية حديثة أن نسبة العنف والجريمة الأسرية ارتفعت بشكل ملحوظ في مختلف جهات البلاد دون استثناء، وهي جرائم بشعة تتركز بالأساس في صفوف الأبناء والزوجات والأمهات والآباء، في ظاهرة تنم عن خلل بات يشوب المجتمع التونسي.
السبت 2016/11/12
الوضع النفسي والاجتماعي يفاقم الجرائم الأسرية

عزا خبراء وعلماء اجتماع أسباب تفشي ظاهرة الجريمة في صلب الأسرة التونسية إلى ظهور وباء مجتمعي خطير تسبب فيه الوضع النفسي والاجتماعي للتونسيين ما بعد الثورة في 2011 وغلاء الأسعار الذي أثر على سلوك الأفراد.

وفي هذا السياق أكد طارق بالحاج محمد، الباحث التونسي في علم الاجتماع، أن فترة ما بعد الثورات والمراحل الانتقالية تمثل عادة بيئة خصبة لظهور الاضطرابات السلوكية والنفسية وكأنها عبارة عن أعراض جانبية تخلفها كل ثورة، وهذا أمر مفهوم من وجهة نظر علمية لسببين رئيسيين على الأقل: أولا أن كل ثورة اجتماعية لم تسبقها أو تواكبها ثورة ثقافية تتحول من فرصة للتحرر الاجتماعي إلى فرصة لانفلات الغرائز في أكثر جوانبها بدائية وعدوانية. وثانيا أن الثورات تهدم عادة البنى والمؤسسات الاجتماعية والثقافية التي كانت سائدة دون أن تعوضها بسرعة ببنى أخرى توفر الإجابات اللازمة للإنسان.

وأضاف موضحا لـ“العرب” “مثلما رأينا التونسي في أبهى تجلياته رأيناه أيضا في أكثر صوره ضعفا وقبحا. لاحت لنا بقوة ملامح التونسي المستنفر والمضطرب والقلق الذي يرتفع عنده منسوب العنف والعدوانية، مما أعطانا مشهدا للانفلات الاجتماعي منقطع النظير، انطلاقا من الفضاء العام وصولا إلى الحياة الأسرية”.

وأضاف أن فترات الانتقال في السياقات الثورية تتحول إلى نوع من المعاناة والاضطرابات السلوكية والنفسية، وهذا ما يفسر ارتفاع منسوب العنف والعدوانية لدى التونسي وارتفاع نسب زيارة عيادات الطب النفسي وطغيان الانفلات على المشهد الاجتماعي انطلاقا من الفضاء العام وصولا إلى الحياة العائلية. وتتراوح العدوانية بين الاعتداءات الجسدية والمادية المختلفة إلى أن تصل إلى أكثر أشكال العنف بشاعة مثل القتل والتمثيل بالجثث.

كما بين أن ثقافة الموت والتخريب والتنكيل تتسع يوما بعد يوم وتغذيها مشاهد الموت والتنكيل الوحشية التي تعج بها مواقع التواصل الاجتماعي ونشرات الأخبار.

طارق بالحاج محمد: في مجتمع استعراضي يقدس المظهر أكثر من الجوهر، ليس غريبا أن تنهار مؤسسات الزواج بهذا الشكل المدوي

وأوضح الباحث التونسي لـ“العرب” أن سلوك التونسي اليوم يغلب عليه الطابع الانفعالي والعدواني، وفيه الكثير من الاندفاع والاستعراض والتكلف، وهو ناتج عن الخوف من الحاضر والمستقبل وغياب آفاق الحل والخلاص والرغبة في تفريغ شحنة كبيرة من الكبت والقهر المزمنين ورغبة جماعية في إثبات الذات بموجب ودون موجب. وهذا السياق العدواني وهذه البيئة العدائية لم يقتصرا على الفضاء العام بل وصلا حتى الفضاء الخاص وأثرا على علاقة الأفراد داخل الأسرة الواحدة.

فحجم الضغط النفسي والاجتماعي المسلط على أفراد المجتمع من الشباب والكهول، اخترق آخر وأهم حصن للتنشئة الاجتماعية السليمة والمتوازنة، وهو مؤسسة العائلة وأكبر ضحاياه هم الأطفال. وهي عدوانية في سياق سياسي واجتماعي عدواني يأخذ أشكالا ومضامين متعددة وفق تعدد السياقات. تزداد الأمور تعقيدا مع تراجع سلطة الدولة وقدرتها على إنفاذ القانون، مما يعطي رسالة للمجتمع بضعف الدولة ويفتح باب التجاوزات.

هذا وأشار بالحاج محمد إلى أن الزواج يعتبر من أقدم وأعرق وأقدم المؤسسات الاجتماعية. وإذا نظرنا له من زاوية أخلاقية نقول إنه رباط مقدس، وإذا نظرنا له من وجهة نظر علم اجتماع نقول عنه إنه مؤسسة تجمع بين شخصين تربط بينهما علاقة وجدانية في إطار اجتماعي مقبول وشرعي، وإذا نظرنا له من وجهة نظر قانونية نقول إنه عقد تترتب عنه العديد من الالتزامات. ولكن السؤال المطروح هو، ما الذي يجعل هذا الرباط وهذه المؤسسة وهذا العقد عاجزا عن الاستمرار بحيث نصل إلى الطلاق وفض هذه الشراكة وبشكل عنيف؟

وأوضح قائلا لـ“العرب” “غالبا ما تتحول حالات الفراق أو الطلاق في مجتمعنا من مجرد تجربة إنسانية واجتماعية فاشلة إلى معركة ضارية يراد بها تدمير الطرف الآخر وتحطيمه والتشفي منه وليس مجرد الانفصال عنه. وهي معركة تغيب فيها كل القواعد القانونية والأخلاقية والإنسانية وتحضر بدلها مفردات الكره والتباغض والإيذاء وإلحاق أكبر قدر ممكن من الضرر بالآخر”.

وأضاف “نحن لا نعرف كيف نتزوج ولا كيف نتعايش ولا حتى كيف نفترق بسلام، فالزواج مثله مثل الطلاق اليوم أصبح تجربة محفوفة بالمخاطر. ففي مجتمع استعراضي يقدس المظهر أكثر من الجوهر، ويعطي الأولوية للصورة أكثر من المشروع ويشترط الوليمة قبل العزيمة ويدعو إلى الحق وهو ليس من أهله ويدعي الحكمة وهو ليس منها في شيء، وتحكمه النزوة أكثر من الجدوى، ليس غريبا أن تنهار مؤسسات الزواج بهذا الشكل المدوي. فعادة ما تسبق حالات العنف بين الأزواج فترة تسمى بالطلاق الصامت الذي سرعان ما ينفجر في شكل عنف عندما يبلغ مداه”.

وبيّن أن الطلاق الصامت هو نوع من الطلاق غير المعلن، يبقى بموجبه عقد الزواج ساريا شكليا بين الزوجين لكن كل منهما يعيش بمعزل عن الآخر في جميع مناحي حياته، إنه نهاية غير رسمية وغير معلنة للعلاقة الزوجية يقع التعايش معها، إما حفاظا عن الصورة الاجتماعية وإما رغبة في الحفاظ على استقرار الأبناء وإما خوفا من صفة مطلق أو مطلقة في المجتمع.

واعتبر بالحاج محمد أن هذه الظاهرة لا تقل حجما عن الطلاق الناجز بل تؤسس في ما بعد لحالات فراق وطلاق أكثر عنفا وعدوانية تغيب فيها ثقافة الطلاق الآمن الذي يضع نهاية لعلاقة زوجية وليست نهاية لعلاقة إنسانية، ويترافق ذلك مع بروز ثقافة جديدة ما فتئت تتوسع وتنتشر وهي ثقافة الموت والقتل، قتل الجسد وقتل الوعي وقتل النفس وقتل الآخر.

21