البيئة هي من تنحت وعي الإنساني وذائقته

تشكل البيئة والمحيط الذي ينشأ فيه الإنسان معطى هاما ينحت وعيه وحتى ذائقته، حيث تختلف طبائع البشر وثقافاتهم وفنونهم وفق بيئاتهم المختلفة، فثقافة الصحراء والوعي الذي ينمو فيها مختلفان ضرورة عن ثقافة بلاد الثلج وما تشكله من وعي لدى إنسانها. أهمية البيئة في تفاعلها مع الإنسان وتحقيقها لوعيه وذائقته الجمالية بقيت أمرا بعيدا عن الأدب وهو ما حاول تلافيه الشاعر اليمني مفيد الحالمي بتقديمه لكتاب أدبي بيئي.
الخميس 2017/05/18
البيئة تؤثر وتتأثر

يتناول كتاب "ثقافة الزهور" للأديب والشاعر اليمني مفيد الحالمي قضايا البيئة المتنوعة كالتغير المناخي، والاحتباس الحراري، والتنوع البيولوجي، والمرأة والبيئة، وغيرها من القضايا التي تؤكد أن البيئة هي الوجه الآخر لكل مفاصل الحياة، وذلك من خلال رؤية مثقف وشاعر ومتخصص، لتتخلل الكتاب القصائد الشعرية والرؤى القصصية والبحث التاريخي والتحليل الفلسفي.

البيئة والوعي

تميز الكتاب، الصادر عن مؤسسة أروقة للنشر والترجمة والدراسات، عن سائر الكتب البيئية بكونه يقدم قضية البيئة في نص أدبي، فيتحدث عنها بأسلوب تعبيري شاعري، وهو أسلوب ابتكاري يحقق الغاية التوعوية المنشودة منه التي تمثل الجزء الأكبر من حل المعضلة البيئية الناجمة عن غياب الوعي البيئي.. أي بعيداً عن اللغة العلمية الروتينية الباعثة علی الملل والرتابة.

ويلفت الحالمي إلى أن كتابه يحقق السبق في تقديم المعلومة البيئية الصحية العلمية بطريقة أدبية شعرية هي الطريقة الابتكارية التي مثلت عقد الأدب علی البيئة وإتمام عملية التزاوج بينهما.

طبيعة هذا الكتاب تقتضي باقة من المقالات المتنوعة التي تتعاضد جنبا إلى جنب لتشكل في مجملها ثقافة بيئية كافية

وهذا لا يعني أنه أول من زاوج بين البيئة والأدب وأول من كان له الفضل في إنشاء العلاقة بينهما، فالعلاقة بينهما كانت قائمة من قبل، بيد أن الفضل الذي يدَّعيه يكمن في أنه عبر عن القضايا البيئية بلغة أدبية شاعرية، وهي الطريقة الابتكارية المغايرة للمألوف.

ويشير الكاتب إلى أن كل مقالة في هذا الكتاب هي نواة لبحث كامل، بل لكتاب مستقل للموضوع ذاته الذي تتحدث عنه المقالة. ورغم أن لديه معضلة دائمة يعاني منها وهي أن كل مقالة يزمع كتابتها يجدها في النهاية كتابا، من حيث الحجم، إلا أنه بذل الجهد في سبيل اختزال كل موضوع لإخراجه بحجم المقالة لأن طبيعة هذا الكتاب تقتضي باقة من المقالات المتنوعة التي تتعاضد وتتراص مع بعضها البعض جنباً إلى جنب لتشكل في مجملها ثقافة بيئية كافية، أو على الأقل النواة الرئيسية الأصلية لكل من يريد أن يكوِّن لنفسه ثقافة بيئية أصيلة يستطيع من خلالها أن ينطلق ويتوسع ويضيف ويثري منطلقاً من أرضية صلبة.

يقول الحالمي "إن العلاقة بين الفن والبيئة هي علاقة واضحة إذ أن الفن هو نجل البيئة. فالأغنية التي تنتشر بين الناس كانتشار النار في الهشيم، إنما تلاقي هذا الرواج لأنها تأتي معبرة عن لواعج الصدور التي تعتمل في مجتمع تكتنفه بيئة معينة، لتبوح بما لا يمكن البوح به إلا عبر وسيلة فنية جمالية وأسلوب تعبيري لا يخلو من حسن المبنى وبلاغة المعنى المنبثقة من ثنايا البيئة. لذلك يصنَّف الفن الغنائي إلی ألوان فيقال اللون الغنائي الصنعاني واللون التعزي واللون التهامي، إلخ.. هذا علی الصعيد المحلي، وينسحب هذا التوصيف علی مستوی جغرافي أوسع إقليميّا ودوليّا".

قضية البيئة بأسلوب تعبيري شاعري

ويرى الكاتب أنه إذا كان علم الجمال البيئي حديث العهد من حيث الظهور، فهذا لا يعني أنه جديد ولم يكن موجودا من قبل، ويضيف "هو قديم قدم الأزل وموجود منذ بدء الوجود بطبيعة الحال.. كما أنه مستمر ومتنام. بالتالي فإن العيب يكمن في تأخر الاكتشاف الإنساني لهذا العلم الموجود أصلاً من قبل تاريخ اكتشافه بفارق مديد مقداره كل المسافة الزمنية الفائتة من عمر الحياة. يتلاشى هذا الفارق إذا ما أدركنا، بقليل من التمعن، واحدية العلمين القديم والحديث (علم الجمال التقليدي وعلم الجمال البيئي).. إذ يغدو الاكتشاف مجرد إضافة تخصصية فرضتها ظروف بيئية أكثر ضرورة للفت النظر صوب أهمية نوعية في حدها الأقصى كمحاولة جديدة وجادة للكشف عن مكامن الجمال في كافة الثقافات واستنطاقه وإخراج مكنوناته".

الجمال ليس ثابتا

يؤكد مفيد الحالمي أن الأحكام الجمالية قد تكون مكيَّفة ثقافياً إلى حد ما. فنجد مثلاً أن الكثيرين في بريطانيا، مثل الفيكتوريين، كانوا يرون فن النحت الإغريقي شيئاً قبيحا، ولكن بعد مرور عقود قليلة رأت الجماهير الأدويرية أن الفنون النحتية نفسها شيء جميل، وبالتالي الحكم على القيمة الجمالية يمكن ربطه بالأحكام الاقتصادية أو السياسية أو الأخلاقية وغيرها.

وبالمثل قد تكون الأحكام الجمالية عرضة للشرط الثقافي القادم من طبيعة ونوع البيئة التي تكتنفها وعرضة لعوامل كثيرة تتدخل في صناعة الإدراك للقيمة الجمالية.

ويوضح الحالمي أنه في الذاكرة الشعبية اليمنية يروى أن "القردعي"، وهو شخصية بطولية تاريخية، رفض أبوه الاعتراف ببطولته إلا بعد أن يأتيه برأس النمر، وفعلاً نفذ توجيهات أبيه غير البيئية لتتحول حادثة قتل القردعي للنمر في الموروث التاريخي من أبرز شواهد بطولته المغلوطة في تكريس مناقض للرؤية البيئية التي تؤكد ضرورة الحفاظ على حياة النمر والتي نجزم بأن الجمال الصحيح يكمن في حرصنا على حماية أي كائن حي لأن غيابه يعني حتماً غياب أحد عناصر اللوحة أو المنظومة الإيكولوجية الجميلة.

وبالمثل يرى الكثير من العائلات أن قتل الوزغ (أبو بريص) الذي يتواجد غالباً على الأسطح الخارجية للنوافذ يعني تنظيف المنزل من حيوان طفيلي قذر لا مجال لوجوده، أو حتى لفكرة القبول بوجوده، فيما يراه المتسلحون بالوعي البيئي كائناً ضرورياً ومفيداً وجميلاً لا يستمد جماله من شكله، بل من إدراكهم لفوائده ودوره المهم.

يشدد الحالمي على “أن إدراك الأحكام الجمالية يتنوع ويتباين ويختلف وفقاً للكثير من المعايير والاشتراطات والمحددات المختلفة. حتى أدوات التجميل نفسها التي تحرص النساء على اقتنائها حد الهوس الذي يجعل منها مكوناً رئيسياً في العوالم النسائية، يرى البعض أن اللجوء إليها يعد سلوكاً غريباً لا جدوى منه إذ هناك من يقر بأفضلية الجمال في شكله الطبيعي وهناك من يقر العكس، وهنا نلاحظ اختلاف الأحكام الجمالية كل حسب وعيه الذي تشكله بيئته”.

15