البيانات البريطانية تبدد تشاؤم الانفصال عن الاتحاد الأوروبي

فاجأت سلسلة من البيانات صدرت خلال الأيام الماضية توقعات المحللين، حين أظهرت ارتفاع مبيعات التجزئة والطلبيات الصناعية وانخفاض البطالة وانتعاش السياحة، لكن المتشائمين مازالوا يصرون على انتظار المزيد من البيانات لاتضاح الصورة الشاملة ويشيرون إلى خسائر الجنيه الإسترليني وانخفاض أسعار العقارات.
الأربعاء 2016/08/24
انحدار الاسترليني يجذب السياح

لندن - أظهر مسح أمس، أن طلبيات التصدير في قطاع الصناعات التحويلية البريطاني ارتفعت في أغسطس إلى أعلى مستوى في عامين بفضل انخفاض الجنيه الإسترليني نتيجة التصويت لصالح الخروج من الاتحاد الأوروبي، رغم أن ضعف العملة المحلية رفع توقعات الأسعار إلى أعلي مستوى في ما يزيد على عام.

جاء ذلك بعد سلسلة من البيانات أظهرت ارتفاع مبيعات التجزئة وانخفاض عدد طلبات إعانات البطالة في يوليو، وتحسن النشاط السياحي بسبب تراجع الإسترليني، وهي مؤشرات تخالف توقعات معظم المحللين.

لكن المتشائمين مازالوا يصرون على انتظار المزيد من البيانات. ويقولون إن تلك البيانات لا تكشف الصورة الكاملة، التي لن تتضح قبل أن تحدد لندن مسارها بعد صدمة الاستفتاء وتتخذ قرارها الرسمي بشأن الخروج من الاتحاد الأوروبي.

وأظهر المسح الذي أجراه اتحاد الصناعة البريطاني أن مؤشرا يقيس طلبيات المصانع ككل، نزل قليلا في أغسطس لكن طلبيات التصدير ارتفعت إلى أعلى مستوى منذ أغسطس 2014. كما ارتفع مؤشر يقيس توقعات الإنتاج في الأشهر الثلاثة المقبلة.

ويرى المحللون أن خسائر الإسترليني، رغم ارتفاعه أمس، والتي تصل إلى نحو 14 بالمئة منذ إعلان نتائج الاستفتاء، تلخص التأثير الأكبر للاستفتاء، إضافة إلى التداعيات الكبيرة على أسعار العقارات.

آنا ليتش: الانخفاض الأخير في سعر صرف الجنيه سيزيد من تكاليف المعيشة السنة المقبلة

وسجل الإسترليني أمس، أعلى مستوى في ثلاثة أسابيع أمام الدولار، حين تجاوز حاجز 1.32 دولار في وقت قلص فيه المضاربون رهاناتهم على هبوط العملة البريطانية، بانتظار المزيد من البيانات لمعرفة التداعيات الكاملة لصدمة الاستفتاء. وتلقى الإسترليني الأسبوع الماضي دعما من بيانات التضخم ومبيعات التجزئة لشهر يوليو والتي فاقت التوقعات، وقلصت التشاؤم بشأن آثار التصويت للخروج من الاتحاد الأوروبي على المستهلكين، كما تلقى دعما من بيانات طلبات إعانة البطالة التي فاقت التوقعات.

ومع أن الاقتصاد البريطاني لا يزال يخالف التوقعات رغم اختبار البريكست، فإن المحللين الذين تفاجؤوا بالإحصائيات الجديدة حذروا من أن السماء قد تصبح ملبدة بالغيوم في الأشهر المقبلة.

وأعلنت غالبية كبيرة من الاقتصاديين والمنظمات الدولية وحتى وزارة الخزانة وبنك إنكلترا عن الخشية إزاء تداعيات مرتبطة بالبريكست بدءا من إطالة أمد المفاوضات، الأمر الذي لا يفضي إلى طمأنة أوساط الأعمال.

وقال ليث خلف المحلل لدى هارجيفيز لانسدون “حتى الآن لم يؤثر البريكست في المؤشرات الاقتصادية الرسمية. لا يزال الوقت مبكرا، لكن من الواضح أنه ليس هناك تراجع في الثقة لدى المستهلكين والشركات”.

وتظهر البيانات انتعاش مبيعات التجزئة بشكل واضح بنسبة 1.4 بالمئة في يوليو وهو أكثر مما توقعه المحللون، ما يعني أن المستهلكين لم يغيروا من عاداتهم. كما أن بإمكان المخازن الاعتماد على إنفاق السياح الذين تزداد قوتهم الشرائية بفضل ضعف الجنيه.

وتوقع هوارد آرتشر، الخبير الاقتصادي في شركة أي.إتش.أس استمرار هذا الاتجاه الشهر الجاري بفضل الطقس الجيد و”الأثر الناتج عن الأداء الممتاز للفريق البريطاني في الألعاب الأولمبية”. وتبعث أرقام أخرى يوليو، أول شهر كامل منذ الاستفتاء، على الاطمئنان، وضمنها انخفاض معدلات البطالة، وتسارع طفيف في التضخم، أو الاستقرار في مبيعات السيارات الجديدة.

ليث خلف: حتى الآن لم يؤثر البريكست في المؤشرات الاقتصادية الرسمية في بريطانيا

وبالمقارنة على أساس سنوي، زاد نمو مبيعات يوليو إلى 5.9 بالمئة مسجلا أكبر ارتفاع منذ سبتمبر العام الماضي بما يتجاوز بكثير التوقعات لنمو نسبته 4.2 بالمئة.

وفي خضم ذلك، أعلنت كينغ فيشر، الشركة العملاقة لبيع أدوات التصليح والتحسين المنزلي أن الاستفتاء ليس له تأثير واضح على الطلب في سلسلة متاجرها.

وقال دانيال فيرنازا، الخبير الاقتصادي في بنك يونيكريدت إن “البطالة في مستوى قياسي منخفض ويبقى مؤشر ثقة المستهلك مرتفعا، معظم الذين صوتوا مع الخروج من الاتحاد لم يفكروا في أن النتيجة ستثقل كاهل الاقتصاد. وبالتالي، فإنه من غير المتوقع أن يقللوا من الإنفاق على المدى القصير”.

ويعم التفاؤل أيضا المستثمرين، مع تسارع أبرز مؤشرات بورصة لندن بشكل كبير منذ بداية أغسطس، مدفوعا بشكل رئيسي بالتدابير الجديدة التي كشف عنها بنك إنكلترا.

لكن محللين يحافظون على تشاؤمهم بالنسبة للأشهر المقبلة، فنتائج آخر استطلاعات للرأي حول معنويات الشركات والمستهلكين توحي بقدر أقل من الاطمئنان مقارنة مع الأرقام الرسمية.

وتسود مخاوف كبيرة لدى المحللين من أن تصيب حركة الخروج من أوروبا الشركات بشلل فتقوم بخفض استثماراتها وتكاليفها والوظائف في نهاية المطاف.

ويوضح آرتشر “ستكون القدرة الشرائية للمستهلكين أقل في حين يتسارع التضخم مع هامش محدود لزيادة أرباح الشركات بسبب التحكم في التكاليف. وبالإضافة إلى ذلك يبدو أن البطالة ستزداد في الأشهر المقبلة”.

وبالمثل، يتوقع أرباب العمل في بريطانيا مستقبلا أقل إشراقا. وتقول آنا ليتش الاقتصادية في منظمة أرباب العمل البريطانيين إن “الانخفاض الأخير في سعر صرف الجنيه سيزيد من تكاليف المعيشة السنة المقبلة، ما سوف يؤثر على قدرة الأسر على الإنفاق”.

ودعت ليتش حكومة تيريزا ماي إلى “وضع برنامج وجدول زمني واضحين للمفاوضات مع الاتحاد الأوروبي” من أجل “تبديد الشكوك والحفاظ على ثقة الشركات والمستهلكين”.

10