البيانات السياسية لا تكفي لحلحلة القضايا العربية

تأزم المواقف العربية المتخبطة يتطلب العودة وجوبا إلى معاجم السياسة والنبش فيها للوقوف على التعريف الحقيقي لمفهوم البيان السياسي ولماذا يتم إصداره أو حتى كيف تتم صياغته.
الخميس 2019/03/28
2019-1967.. ماذا غيرت البيانات

تتراكم الملفات والقضايا المشتركة التي تحاصر العالم العربي من مشرقه إلى مغربه إلى حد وصل فيه الأمر بالرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى اتخاذ قرارات خطيرة تمس من سيادة الدول العربية، موزعا هداياه وهباته من الأراضي العربية المحتلة لحليفته إسرائيل وكان آخرها منحه الضوء الأخضر لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو للاستحواذ دون موجب حق على مرتفعات الجولان السورية المحتلة.

يبدو أن الرئيس الأميركي، الذي وعلى عكس ما يتوهمه البعض بأنه مزاجي ومهووس باتخاذ قرارات ارتجالية، قصد اختيار التوقيت لجعل الجميع أمام الأمر المقضي، إذ أن ترامب يُدرك جيّدا وبطريقة قصدية ما يفعل باتخاذه قرارا خطيرا يخص الجولان بضعة أيام فقط قبل انعقاد القمة العربية بتونس وقبل أسبوعين تقريبا من الانتخابات العامة الإسرائيلية، في 9 أبريل المقبل.

في قلب هذه التطورات الأخيرة، تكتفي الدول العربية بقيادة الجامعة العربية بإعادة إنتاج وتصدير بيانات سياسية روتينية لا تخلو كعادتها من عبارات الشجب والإدانة دون طرح بدائل واقعية تخدم أمهات القضايا العربية من المحيط إلى الخليج وليس فقط في علاقة بالقضية الفلسطينية أو قصة هضبة الجولان التي تحوم حولها -بعيدا عن خطوة ترامب- عدة شبهات وروايات في علاقة بما قدّمه النظام السوري طيلة عقود منذ حرب 1967 لاستردادها أو للمطالبة بأحقية السيادة السورية عليها.

قبل البدء الفعلي للقمة العربية التي تحتضنها تونس والتي سيكون اختتامها الأحد 31 مارس الجاري، يخترق مخيلات الشعوب العربية سؤال جوهري دائم يستفسر باستمرار أو يتعمد الاستفسار بطريقة ساخرة عن إدراك هذه الشعوب حتى قبل عقد القمة لفحوى البيان الختامي المشترك الذي لا يخرج عادة عن نفس السياقات والأهداف المعلنة في كل القمم السابقة.

ويتطلب تأزم المواقف العربية المتخبطة والمقتصرة على محاولات محتشمة لتسجيل مواقفها، العودة وجوبا إلى معاجم السياسة والنبش فيها للوقوف على التعريف الحقيقي لمفهوم البيان السياسي ولماذا يتم إصداره أو حتى كيف تتم صياغته وما هي المفردات التي يمكن استعمالها والتي يمكن التخفيف أو التفخيم فيها انسجاما مع حجم القضايا وطبيعتها أو حتى مع سيرورتها التاريخية.

إن البيان السياسي في مفاهيمه العميقة والحقيقية، لا يخرج في العادة عن دوائر إعلان منشور يتضمن نوايا أو دوافع أو آراء تخص ناشره. ويتقبل البيان الذي يخص وجوبا فرد أو مجموعة أو حزب سياسي أو حكومة عادة الرأي السابق أو الإجماع العام أو يدعم فكرة جديدة فيها مفاهيم مطروحة تنتج تغييرًا يعتقد مصدره بضرورته، وعادة ما تكون البيانات متضمنة لمواقف رسمية للدولة أو للشخصية المعنية.

لكن مع تعمّق الأزمات التي تنخر الجسد العربي الذي تشقه خلافات واختلافات حول قضايا العرب المشتركة، خاصة في علاقة بإسرائيل التي مدت جذورها في منطقة الشرق الأوسط أو إيران الطامحة لإقامة كيانها الفارسي في دول عدة، أو تركيا التي لا تخفي أحلامها بتزعم العالم الإسلامي، تبقى كل البيانات السياسية مختلفة التصورات وغير الموحّدة التي تصدرها الدول العربية مدعاة لطرح استفهامات من قبيل، هل أن إصدار هذه البيانات فرضه الواقع لتسجيل مواقف حقيقية أم هو مجرّد محاولة لخفت الغضب الشعبي؟ ثم إن السؤال الأهم اليوم يبقى متمحورا حول الجدوى من هذه البيانات ما دامت لا تغيرّ الواقع.

قبل الوصول إلى مرحلة البيانات وهي المهمة الأسهل من الناحية السياسية، حيث بإمكان أي طرف أن يصيغها كما يشاء وبالمفردات التي تساعد توجهاته، دأبت الحكومات والقيادات العربية في خمسينات وستينات القرن الماضي وما بعد هذه الفترات ببضع سنوات على محاولة فض أزماتها بالتوسّل إلى خطابات قومية عاطفية تدعو إلى المقاومة – وهو ما تواصل السير فيه اليوم حركة حماس في فلسطين أو حزب الله في لبنان- استنادا إلى تلك المقولة الرنانة لرئيس المصري الأسبق جمال عبدالناصر “ما أخذ بالقوة لا يسترد إلا بالقوة”.

هذا النوع من الخطابات غير الواقعية في عالم تقوده قوى أكثر قوة على جميع المستويات، لم يجد بدوره نفعا، إذن كيف يمكن للعرب أن يخترقوا النظام العالمي بعدما فشلت لغة البيانات السياسية والخطابات القومية التي كانت شعبوية وطوباوية في معظمها؟

هنا، تقول الحكمة ويقول المنطق إنه ليس بإمكانك أن تنتصر على عدوك قبل أن تعرف مكامن قوته وقبل تسليط الضوء على نقاط ضعفه، فإسرائيل المنتشية اليوم بتحقيق انتصارات هامة على ما يقارب نصف مليار عربي لم ترسم شبكة علاقاتها بقوة خارقة عن حدود العقل، بل انتهجت طيلة عقود سياسة براغماتية مكنتها من اختراق أعتى دول العالم كأوروبا والولايات المتحدة وحتى روسيا عبر نشرها مؤسسات تتبنى سياساتها وتمكّنت هذه الأخيرة من التأثير في عدة قرارات سياسية أميركية مثلا.

على عكس إسرائيل، تعي الدول العربية كل نقاط القوة التي يتبعها الخصم وتجيد أيضا فك شفرة أدق تفاصيلها، لكنها في المقابل مازالت تعتمد في سياساتها تارة على خطابات البيانات المكررة وطورا على لغة العواطف الجياشة بدل العمل على فرض نفسها في قلب الرحى المنتجة لكل قرارات العالم بتوسيع شبكة علاقاتها ودعم أذرعها في مختلف الأنسجة السياسية القوية في أميركا أو أوروبا.

6