البيان الشعري العراقي يكشف مبكرا عن هواجس التمرد

يظلُّ البيان الشعري عام 1969 بالعراق والجماعة التي وقعت عليه مثار جدل واسع، في النظر إلى موضوعات الهوية الشعرية، والتجديد الشعري والموقف من الوجود والمعنى واللغة والتاريخ، وفي التعاطي مع أسئلة الحداثة بكل غلوها وأسئلتها وصخبها، وهو ما يحتاج إلى نقاش اليوم لتبيُّن مكامن كثيرة فيه.
السبت 2017/11/11
شعراء ثاروا على السياب (لوحة للفنان مروان قصاب باشي)

محاور كثيرة تُعنى بالتمرد الشعري وأسئلة الحداثة يقترحها الكتاب الشعري “شعراء البيان الشعري” للشاعر خالد علي مصطفى، وهو أحد موقّعي البيان، الذي كان بمثابة ثورة حقيقية على الشعر القديم، فاتحا للشعر آفاقا ما تزال رحبة إلى اليوم.

النشأة الأولى

يُثير هذا الكتاب/ الشهادة كما يقول عنه مؤلّفه، جملةً من الأسئلة حول مرجعيات هذا البيان، وأثره على مستقبل الحراك الشعري العراقي والعربي، من خلال التعرّف على نشأته، وعلى مرجعيات الشعراء المهووسين بالمغامرة والحرية والحلم الشعري، وبطبيعة “التسميات” التي فرضت نفسها على القاموس التوصيفي للريادة والتجديد عند الشعراء والنقاد، والتي انطوت على مفارقات حادة و”عداوات” صارت مكشوفة، ووضعت “الجيل الملعون” كما يصفه المؤلف أمام اهتمامات متقاطعة.

وأحيانا طاردة بين أطروحات “الموجة الصاخبة” لسامي مهدي، وأطروحات “الروح الحية” لفاضل العزاوي، حيث كشف هذان الكتابان المتعالقان بـ”محنة الصراع الشعري والأيديولوجي” عن واقع صاخب، وعن تقاطع حاد في وجهات النظر التاريخية والأيديولوجية والفنية بين الجماعات الشعرية العراقية.

ضم الكتاب، الصادر عن دار موزوبوتاميا، تمهيدا وأربعة فصول وعددا من الملاحق، استقرأ فيها المؤلف التمثلات التكوينية لجيل الريادة الشعرية في دار المعلمين العالية في نهاية الأربعينات من القرن الماضي، وجيل “المغايرة الشعرية” في كلية الآداب في الخمسينات، حيث بدأت هواجس البحث عن ملامح أخرى للشعرية العراقية، ولتجاوز النزعات الرومانسية للروّاد، والانفتاح على فضاءات التجريب والتحديث، وعلاقة هذه الفضاءات بمؤثرات التيارات الجديدة “الشامية والبغدادية” من جانب، والمؤثرات التي جاءت مع الترجمات الشعرية من جانب آخر..

عمد المؤلف إلى تتبع نشأة الجماعات الشعرية العراقية من خلال ذاكرة المكان، إذ يذكر بعض الشعراء المغامرين في دار المعلمين العالية كنازك الملائكة، بدر شاكر السياب، عبدالوهاب البياتي، محمود البريكان وشاذل طاقة، ثم سعدي يوسف وعبدالرزاق عبد الواحد ويوسف الصائغ وكاظم نعمة التميمي. ويبيّن كيف وجدوا مجالهم الواسع للتنفيس عن هواجسهم وأحلامهم، فضلا عن الشعراء والقصاصين الآخرين، والذين درسوا في كلية الآداب كعلي عباس علوان وعبدالإله أحمد وكمال الحديثي ومحمد جبار المعيبد وهاشم الطعان وفاضل ثامر وزهير الهاشمي وشجاع العاني ومزيد الظاهر وعبدالجبار عباس وموسى كريدي ومالك المطلبي وفوزي كريم وآخرين.

هذه الأسماء وجدت في الفضاء الجامعي والتدريسي أفقا جديدا للكتابة الشعرية، أو للتصريح بأسئلة جديدة ومفارقة عن الوعي الشعري، ورغم اللبوس السياسية المحتمدة (آنذاك) في الوسط الجامعي بين الشيوعيين والقوميين، إلّا أنّ هاجس المغامرة ظل صاخبا، وباعثا على الانشداد إلى الاتجاهات الفنية الجديدة في الكتابة الشعرية، وباتجاه انعكس في مراحل لاحقة على تمثّلات وتحوّلات القصيدة الجديدة، على مستوى شكلها، أو على مستوى ما تحمله من مضامين وأفكار بدت بعيدة عن التأثّر التاريخي الذي كرّسه “الآباء الشعراء” كالرصافي والزهاوي والجواهري وعلي الشرقي ومحمد رضا الشبيبي وغيرهم.

يثير هذا الكتاب/ الشهادة جملة من الأسئلة حول مرجعيات هذا البيان، وأثره على مستقبل الحراك الشعري العراقي والعربي

التمرد الشعري

في الفصل الثاني من الكتاب يضعنا المؤلف أمام أنموذج شعري لكتابة “القصيدة القصيرة” التي كتبها الشاعر سامي مهدي، بوصفه أحد كتّاب “البيان الشعري” وعبر ما تبدى واضحا في القصائد التي احتواها ديوانه الأول “رماد الفجيعة” (1966).

فهو واحد من أبرز ما سُمّي بـ”جيل الستينات” والأكثر تمثّلا لنزعات التمرّد على الأنموذج السيابي، ورغم وجود كثير من البواعث الأيديولوجية في نزعته الشعرية، إلّا أنّه حاول النفاذ خارجها، وباتجاه أنْ تكون تجربته “ذات خطوط متعددة، تنتقل مما هو عيني إلى ما هو خفي دون أن يكون هذا التعدد مزية بالضرورة إلّا إذا تطوّر التعبير عنه من صورة الى صورة كما يقتضي المقام”.

التمرّد على القصيدة الطويلة تحوّل إلى ظاهرة شعرية، وإلى هاجس دفع باتجاه التباعد عن النمط المهيمن، لا سيما مطوّلات السياب، مقابل التقارب مع الهاجس النفسي اللحظوي، من خلال التعاطي مع إثاراته الوجودية، ومع مقاربته لأسئلة الوعي الفلسفي، ولما يتعالق بهما من أسئلة تخصّ طبيعة الصراع السياسي في العراق، وصولا إلى مواجهة اليومي و”اندثار التاريخ” والبحث عن تمثلاته على مستوى سيرورة الخطاب الشعري المكثف، وعلى مستوى الرؤيا الحادة، بكلّ ما تثيره، وما تُحفّزه، وما تستدعيه من وعي لـ”الأزمة الروحية” التي يعيشها الشاعر، ولما تتمثله من إرهاصات للقلق الذي يعيشه، وللصراع الذي يكتنف حياته ومواقفه، وللإيحاء بالحيوية كما يسميها الكاتب.

شعراء عراقيون غيروا مستقبل الشعر العربي

وجد الكاتب في حديثه عن الشاعر فاضل العزاوي مجالا للحديث عن المُختلِف الثقافي والأيديولوجي، فهذا الشاعر ينطلق من بيئة مختلفة، حيث مدينة كركوك المتعددة الهويات والثقافات، وحيث جماعة كركوك بنزعتها التجريبية، وهذا ما أعطى للعزاوي وعيا خاصا بالحرية، وجرأة في التعبير عن أفكاره، وفي رفضه المعلن للاستبداد السياسي، والذي كان سببا في إيداعه السجن بين عامي 1963- 1965، إذ انعكست تجربة السجن بشكل كبير على تجربته الشعرية، والروائية في ما بعد، والذي وجد صداه في كتابة البيان الشعرية، فصوت العزاوي واضحا في التعبير عن هاجس الحرية، وعن الحدس بالثورة، وبالرغبة الحميمة في التمرّد، وفي مواجهة الظلم والقبح والاستبداد والطغيان.

انحنى الفصل الرابع من الكتاب على تجربة الشاعر فوزي كريم، بوصفه القطب الرابع في كتابة البيان، وفي مشاطرته للشعراء الآخرين في التعبير عن وعي جديد ومغاير للواقع، ولما هو سائد في الكتابة الشعرية، فالشاعر الذي نشر بعض نتاجه الشعري في مجلة “شعر 69” وجد في لعبة الحلم مجاله الرحب للكشف عن أجواء ورؤى، لها نزعتها الدنيوية كما يسميها المؤلف، ولها تأثراتها السيابية في مرحلتها الأولى، لكنها بدت أكثر اقترابا ومساكنة بنزعات صوفية وفلسفية- في مرحلة لاحقة- حيث “تشيع فيها رائحة أدونيسية لاشكّ فيها”.

الحديث عن شعرية فوزي كريم هو حديث عن هاجس تقاربه مع جماعة “البيان الشعري” إذ كان لهذا التقارب فعله المؤثر في التوافق على الخطوط العامة للبيان، والذي تجاوز فيه الشعراء الأربعة خلافاتهم الفكرية والأيديولوجية ليجدوا أنفسهم أمام فضاء الشعر المحتدم والصاخب، والنافر عن مهيمنات تقانية وأسلوبية قارّة، ومضامين تلامس ماهو يومي وكوني في آن معا، مثلما تلامس ما هو مغامر ومختلف، وماهو غنائي له أغراضه وإيقاعه وطبيعته الأسلوبية، والتي تكشف عن أنّ الذهاب الى أقصى المغامرة ليس سهلا، ولا بسيطا وسط مهيمنات تاريخية ومرجعيات شعرية تفرض فعلها وأثرها على الكتابة الشعرية.

16