البيت الدمشقي التقليدي صورة من شخص صاحبه

تعتبر مدينة دمشق صفحة هامة في التاريخ القديم للشرق الأوسط؛ لموقعها الجغرافي الكائن على تقاطع أهم الطرق التجارية بين الغرب والشرق، ما أدّى إلى إدخال تأثيرات فنية متعددة على الفن السوري، وإلى ارتباط وثيق مع التقاليد المحلية، كل ذلك قد ظهر في عمارة دمشق وخاصة تلك المتعلقة بالبيوت.
الأربعاء 2016/11/16
مأثرة من مآثر العمارة

يأتي كتاب “البيت الدمشقي.. كنز العمارة” للباحث والمؤرخ في تاريخ دمشق وتراثها الشعبي حسن زكي الصواف، ليؤكد روعة العمارة الإسلامية ممثلة في البيوت الدمشقية، إذ يعتبر البيت الدمشقي التقليدي مأثرة من مآثر العمارة العربية بمواصفاته الفريدة التي اكتسبها خلال قرون من الازدهار الحضاري بلغ خلالها فن العمارة الإسلامية القمة في الإبداع والتوزيع الوظيفي.

ويرى المؤلف أن البيوت الدمشقية هي صورة طبق الأصل لشخصية أصحابها، رغم بساطتها المتناهية في التكوين المعماري وفلسفته من الناحيتين الوظيفية والشكلية.

البيوت في دمشق، بترتيب بنائها بأجمل طراز معماري وتنسيق هندسي وفني، ليس لها نظير في جميع البلدان الأخرى

هندسة فريدة

يرى حسن زكي الصواف أن جميع البيوت السكنية الدمشقية مندمجة مع بعضها البعض، لذلك كانت أقل الواجهات مفتوحة للتسخين الشمسي، وقد اعتمد على مبادئ في تكوين شكل البيت الدمشقي منها “الزيادة القصوى في الظل على سطوحه، واستخدام مواد على أساس كلسي، والسطوح البيضاء تعكس أشعة الشمس، ارتفاع كامل المبنى على مستوى واحد كي لا تدخل التيارات الحارة ولا الباردة إلى داخل المبنى، ما عدا الليوان ثنائي الطابق الواقع دائما في الجزء الجنوبي من الفناء حيث يوجد فيه الظل دائما”.

ويؤكد المؤلف في كتابه، الصادر أخيرا عن دار “المكتبي”، دور العامل الاجتماعي في تشكيل البيت الدمشقي، المتمثل في توزيع العائلة الكبيرة حول مركز قوي لصاحب المبنى، كما أثر تعاقب الأجيال وتحول النسب من الأب إلى الابن على إنشاء البيت الدمشقي التقليدي، فالثروات المادية حسب التقاليد العربية يجب ألا تغادر جدران البيت التقليدي، وهي حسب التقاليد يجب ألا تغادر جدران البيت الأم، لذلك كان متبعا زواج الأقارب المقربين أي “الزواج بين ابن العم أو بنت العم أو الخال”.

وتتميز البيوت الدمشقية القديمة ببوابة ضخمة تتمفصل مع سقف الباب ونعلته “بزعرور” أي مفصل أسطواني من صلب خشب الباب، وهو مصفح بالصاج السميك لحمايته من التآكل بسبب الاحتكاك وله “الساقط” أي الدقر الخشبي الداخلي. يؤدّي هذا الباب الضخم إلى ما يزين هذا المكان بالأثاث وبخاصة “القنصلية” ذات المرآة الجدارية وطاولة بيضوية الشكل.

وقد وصف الباحثون البيوت الدمشقية القديمة أجمل وصف كقولهم “إن البيوت في دمشق، بترتيب بنائها بأجمل طراز معماري وتنسيق هندسي وفني، ليس لها نظير في جميع البلدان الأخرى”.

"البيت الدمشقي.. كنز العمارة" دعوة إلى ترميم كنوز دمشق

الداخل والخارج

يؤكد الصواف أن البيت الدمشقي متجه نحو الداخل، لكن واجهاته كافة تطل على الفناء الداخلي، أما على الشارع أو الحارة فيطل بجدرانه المصمتة.

ويكون مدخل البيت الدمشقي من باب الدخول مدخلا صغيرا أو دهليزا يكون مقوسا أحيانا، وبعد عبور المدخل يصل الزائر إلى فناء أو عدة فناءات داخلية، يمكن أن توجد فيه منطقة استجمام تدعى “الليوان” تطل عليه غرف الضيوف، وفي الطابق الأول لهذه الفناءات توجد غرف الاستقبال والغرف السكنية والغرف التي تطل على الفناءات الداخلية، ويحوي الطابق الثاني غرف المعيشة وغرف النوم ويضم الطابق الأرضي غرف المراحيض».

يقول الكاتب عن تأثير العمارة الأوروبية الغربية وخاصة الفرنسية على فن العمارة الدمشقية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين “راحت الطبقة البرجوازية تغادر المدينة القديمة وتبني بيوتا بأحياء حديثة بالضواحي وبدقة أكثر خارج حدود سور القلعة مثل شارع القنوات وحي الصالحية وحي الميدان، إلخ. وهذا أدّى إلى تغيرات هامة معمارية وتخطيطية ووظيفية وفراغية وديكورية وهندسية، أصبح التناظر فيها ميزة بارزة، فالواجهات ومخططات المباني أصبحت متناظرة”.

يضيف “الواجهة الرئيسية للمبنى ليست متجهة نحو الفناء الداخلي بل إلى الخارج، وتم اختراق الواجهات بنوافذ واسعة كبيرة، وظهرت الشرفات البارزة أو البلاكين المفتوحة، وبرز بجلاء التعداد الطابقي للبيوت، وهذا ما أدّى إلى تغيرات في التكوين الحجمي والفراغي للمباني السكنية”.

ويلفت المؤلف إلى أن معظم الفن التاريخي الكبير يتمركز في المدينة القديمة لدمشق التي أصبحت عاجزة عن حضن هذا الفن، وأصبحت تعاني الكثير من المشكلات التخطيطية والفنية. إن إلقاء نظرة واعية على المدينة التي تتعرض لتشوهات كبيرة، وبشكل عام تفيد بأنه ينبغي معالجتها بشكل كلي مع أخذ الناحية الفنية والاجتماعية بعين الاعتبار والعمل على إنقاذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى منها.

هذا وينبغي علينا ألا نكتفي بالمدينة القديمة ضمن السور بل علينا أن نحافظ على امتداداتها، مثلا ساروجية وضاحية الميدان القديمة وضاحية الصالحية القديمة كلها مراكز تاريخية مليئة بالبيوت القديمة تجب المحافظة عليها وينبغي عدم تخريبها.

إن ظاهرة تزايد السكان وهجر قلب المدينة، أغريا السكان الزراعيين بالتدفق إلى الداخل، لذلك ملأوا البيوت القديمة بطبقات اجتماعية جديدة ليست لديها القابلية لصيانتها لأنها لا تشعر بانتمائها إلى المدينة القديمة.

ويرى أن أوسع عمل لإعادة الأحياء والذي يجب أن يجري في مركز المدينة التاريخي هو ترميم معظم المنازل السكنية التالفة، أو المنازل المستعملة لأغراض أخرى استنادا إلى برنامج إعادة الأحياء، ويجب أن يتمّ كذلك تقييم وحماية جميع العناصر ذات القيمة الفنية والبيئية والمسح الكامل للمبنى ودراسة الوضع الأصلي، ويجب أن تتمّ طريقة الترميم بدراسة الوضع الأصلي، فمن خلال هذه المراحل تبدأ المدينة القديمة بتمثيل دورها بشكل هام في حياة المدينة كلها.

14