البيت متوحد

الاثنين 2014/06/02

تمر هذا العام عشر سنوات على رحيل أحد أعظم قادة القرن العشرين، المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الوالد المؤسس لدولة الإمارات العربية المتحدة، الذي لطالما كانت قيادته جامعة شاملة. فرغم امتلاك إمارة أبوظبي كافة المقومات التي كانت تؤهلها إلى أن تكون دولة مستقلة قائمة بذاتها، إلا أن رؤيته الثاقبة للمستقبل جعلته يدعو إلى تأسيس اتحاد خليجي أكبر، يمتد من البحرين إلى رأس الخيمة، لأنه كان مدركا لأبعاد قيام اتحاد فيدرالي من هذا النوع وما يمثله من ضمان لقيام تنمية حقيقية مصدرها في الأساس وحدة الوطن وتضافر جهود أبنائه من الإمارات المختلفة.

واليوم وبعد أربعين عاما من قيام اتحاد الإمارات العربية المتحدة كإنجاز تاريخي في المنطقة العربية، أدى بالدولة إلى أن تصبح من أهم وأقوى الدول العربية بل ودول العالم، نسمع أصواتاً شاذة في منطقة الخليج تشكك في قدرة الإمارات على البقاء والاستمرار.

تؤمن الإمارات العربية المتحدة وأبناؤها بأن الخليج العربي وحدة متجانسة، ولذا نشعر بألم مضاعف عندما تحاول قلّة من أبناء الخليج أن تزرع في جسده بذور الفتنة والشقاق والفئوية، بدلا من أن تقف في الصف الوطني الخليجي وتشد من عضد أشقائها وسط تحديات وصراعات إقليمية لا تخفى على أحد.

لقد قدمت أجيال متعاقبة من الشعب الإماراتي الدم والمثابرة والدموع والعرق في سبيل أن تصبح الإمارات العربية المتحدة ما هي عليه اليوم. هي أرض الدبلوماسيين الشهيدين سعيد غباش وخليفة المبارك، وهي أرض الشهيد المحارب سليم سهيل الذي استشهد عام 1971 وهو يدافع عن سيادة الإمارات العربية المتحدة في جزيرة طنب الكبرى أمام زحف القوات الإيرانية، وأرض الملازم أول طارق الشحي الذي استشهد في البحرين في وقت سابق من العام الحالي في عمل إرهابي مجرم وخسيس شجبه واستنكره أهل البحرين الشقيقة، وهي أيضا أرض مئات من جنود بعثات قوات حفظ السلام الأجنبية من كوسوفو إلى أفغانستان، ومن الصومال إلى البوسنة.

لكل دولة في العالم بعض المعارضين والمعلقين على شؤونها، فالإمارات العربية المتحدة ككل البلاد ليست مجتمعاً مثالياً بشكل مطلق، ولكن من العار على فئة ضئيلة في الخليج أن تتحول إلى مجموعة من زارعي الفتن والشقاق بين المواطنين الإماراتيين أبناء الوطن الواحد وقد أغفلوا واقع الإمارات اليوم والذي يستحيل معه التفريق بين إماراتي من الشارقة، وآخر من أبوظبي، أو من العين، أو رأس الخيمة، أو الفجيرة، أو دبي. فلا يمكن أبداً لعقارب الساعة أن تعود إلى الوراء بعد عقود من ميلاد ثوابت وطنية وجغرافية تشكل صمّام أمان للوطن الإماراتي ضد أية محاولة لزعزعة وحدته.

صاحت بعض الأصوات المثيرة للاشمئزاز على مدى الأسابيع الماضية على مواقع التواصل الاجتماعي، مستخدمة تعابير شاذة مثل “ساحل عمان” في إشارة إلى دولة الإمارات العربية المتحدة مما يعكس حالة اليأس والسطحية والجهل التي وصل إليها هؤلاء الأشخاص، غير مدركين أن تداخل أقاليم المنطقة وتغير أسمائها على مر التاريخ، جزء لا يتجزأ من بقاء شعوب الخليج موحدة ومتجانسة على قلب رجل واحد.

لن يحصد هؤلاء الذين يحاولون تأليب الشعب العماني ضد الشعب الإماراتي، وتحريض أفراد شعب الإمارات الواحد ضد بعضهم البعض سوى الفشل الذريع، والتاريخ به أمثلة من هؤلاء البائسين يكاد لا يتذكر أحد أسماءهم اليوم. وكما رفض العديد من الرجعيين الاعتراف بواقع قيام الولايات المتحدة الأميركية بعد عقود على تأسيسها، مما أشعل فتيل حرب أهلية مروّعة انتصر فيها الخير على الشر في النهاية بفضل كوكبة من الرجال الأخيار، الذين تحدوا الصعاب وأسسوا الولايات المتحدة الأميركية، مثل جورج واشنطن وبنجامين فرانكلين، ثم جاء بعدهم إبراهام لينكولن وآخرون ليتحملوا مسؤولية حمايتها. كذلك الأمر في الإمارات العربية المتحدة، فإذا استطاعت كوكبة من الرجال الأخيار، بمن فيهم الشيخ زايد والشيخ راشد طيب الله ثراهما، الوقوف في وجه التحديات وتأسيس دولة الإمارات العربية المتحدة، فإن المسؤولية بعد عقود من الزمن تقع اليوم على عاتق كل من الشيخ خليفة بن زايد، والشيخ محمد بن راشد، والشيخ محمد بن زايد لبقاء راية الاتحاد مرفوعة على أرضه من أبو ظبي إلى رأس الخيمة، وهم أهل لذلك بكل عزم واقتدار.

تدرك كل دول التحالفات الإقليمية في العالم اليوم معنى الوحدة وأهميتها إلا فيما عدا أحد جيراننا الأعزاء في الخليج. فإذا أردنا أن نلقي نظرة على مواثيق واتفاقيات وواقع التحالفات الدولية الأهم في العالم، نرى أن ميثاق حلف شمال الأطلسي يعتبر الاعتداء على إحدى دول الحلف اعتداء على جميع الدول (المادة 5)، كما ترفض الدول الأعضاء توفير الملجأ أو الدعم المادي لمن يهددون أمن أية دولة عضو في الحلف. وتتبنى المادة الثانية (البند 2 ب) من معاهدة دول “رابطة جنوب شرق آسيا” (آسيان) احترام مبادئ الاستقلال والسيادة والمساواة ووحدة الأراضي والهوية الوطنية لجميع الدول الأعضاء. كما تندرج بنود مشابهة في العديد من المعاهدات الإقليمية الأخرى. ولكن هل تستطيع كل دول مجلس التعاون الخليجي اليوم أن تقدم ضمانات قطعية بأن تضع جميع دول الأعضاء أمن وسلامة الدول الأعضاء الأخرى على رأس أولوياتها كما هو الحال في التحالفات الدولية المشار إليها؟

يبدو الأمر مختلفا اليوم بخصوص إحدى الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي التي تدعي الأخوة وتمد يدها اليمنى لمصافحتنا، فيما تدعم باليسرى فئة متمردة تعادي الخليج وتهدف إلى شق وحدته وترويع شعوبه، فعلى هذه الدولة التي يعرفها الجميع أن تعي أنه لا يمكنها أن تجمع الأمرين معا كما لا يمكن لها أن تسمح لمحرر صحفي- المهنة التي كنت أظنها جديرة بالاحترام حتى الأمس القريب- أن يبث السموم عبر تغريداته ومقالاته يوميا وبلا انقطاع، وكأن كل وظيفته اليوم النباح على الإمارات، والذي لن يؤثر بالطبع على دولة بمكانة وحجم الإمارات العربية المتحدة، ولن يشكل سوى انعكاس مؤسف لواقع مؤلم هو أن قلة قليلة من أصدقائنا وأهلنا في الخليج يسمحون لبعض أفاعي “تويتر” بالعيش بينهم والاستمرار في بث سمومهم ضد أشقائهم من أبناء الخليج.

أخيرا وليس آخرا، لمن يجهلون واقعنا أو قرروا الانعزال عنه، يجب أن تعلموا أنه في دولة الإمارات العربية المتحدة لا فرق أبدا بين آل نهيان والقاسمي، أو بين آل مكتوم والشرقي، أو السويدي، أو المعلا، أو النعيمي، أو الزرعوني، أو البلوشي؛ فجميعنا واحد وسنظل كذلك تحت راية واحدة مرفوعة دوماهي عماد بيتنا الواحد راية الإمارات العربية المتحدة.


كاتب إماراتي

9