البيت مكان للأفراد والأفكار

معظم الأطفال اليوم أصبحوا ينشأون داخل دوامة من العنف والاحتقان تبدأ داخل الأسرة ولا تنتهي عند باب المدرسة، والأسوأ أن الآباء ينزعون على الأغلب إلى تجاوز حدود الاحترام.
الجمعة 2019/05/03
على الآباء أن يكونوا مثالا جيدا يقتدي به أبناؤهم

ما نشاهده اليوم في أغلب برلمانات الدول العربية أن معظم المداولات والمناقشات بين النواب تنتهي بتحدٍ وعراك يصل إلى حد تبادل اللكمات والرمي بالكراسي، ومثل هذا الأمر قد أصبح ينظر إليه على أنه طبيعي ومقبول، رغم أن التحاور بطريقة ودية ولبقة دائما يُنشئ مسارا فعالا لأي موضوع أو قضية ملتبسة، فالاختلاف في الرأي ليس عقبة بقدر ما هو حاجة ضرورية، لأنه يفضي إلى تنوع في الآراء وتعدد في الحلول.

يقول هيوغو ميرسيير، عالم النفس الفرنسي، “إذا دار بينك وبين أشخاص ينتمون إلى الطيف السياسي المعارض نقاش ودي، سيدحضون حجتك الضعيفة، وستستمع إلى حججهم التي ترجّح كفة التيارات السياسية التي ينتمون لها، وينبغي أن تنتهي الأمور بسلام”.

وقد شاهدت بنفسي العديد من الأعضاء في البرلمانات الغربية يشيدون بمزايا تنوع وجهات النظر على اختلاف توجهاتهم وأعراقهم ومعتقداتهم الدينية، ويرفضون تحويل الاختلافات في الآراء إلى خلافات ونزاعات داخل البرلمانات وخارجها، وهم بذلك يؤكدون أن “الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية”، بل هو وسيلة مهمة للارتقاء بمستوى العمل السياسي وبأداء السياسيين والحكومات، بهدف تحقيق المصلحة العامة للمجتمعات.

رأيت في أكثر من مناسبة مشادات كلامية بين النواب وأعضاء الأحزاب حول قضايا مختلفة، وبمجرد ما ينفض الاجتماع يلتقون معا ويحتسون المشروبات، فالاعتراضات والمجادلات لا غنى عنها لإثبات صحة الرؤى والمقترحات ومدى جدواها، وهذه هي الطريقة المثالية التي من المفترض أن يتعامل بها أعضاء البرلمانات والسياسيين في الدول العربية، لكن المشكلة بالنسبة إلى معظم أعضاء البرلمانات العربية أن لا أحد منهم يرضى بأن يبيت وهو على خطأ، وعوض أن يقارع الحجة بالحجة ويدلي بأفضل الأدلة، التي تؤيد صحة رأيه في مواجهة الرأي المخالف له، يشمّر عن عضلاته ليستعرض قوته الجسدية على من يخالفه الرأي.

لغة العنف اللفظي والسب والشتم واستعراض القوة و”الضرب بيد من حديد”.. وجميع أشكال العنف المختلفة لا تفضي إلى حلول، كما لا تجعل الطرف الآخر يرضخ للأمر الواقع، بقدر ما تزيد الموقف تعقيدا، وقد تؤدي على الأرجح إلى انقسام في مكونات المجتمع يجعل الجميع مستغرقين في الفوضى والعنف.

يمكن لما يدور في عالم السياسة أن يكون عاملا مساعدا على انتشار العنف داخل المجتمع، فالعنف لا يختلف كثيرا عن العدوى الفيروسية، ومن العوامل التي تجعل شخصا ما عرضة لأن يمارس العنف، هي إما أن يكون هو نفسه قد وقع ضحية للعنف من قبل، وإما تأثر بالأنماط السلوكية السائدة داخل الأسرة وفي المجتمع ووسائل الإعلام وعالم السياسة.. وهذا في حد ذاته يجعل اعتبار العنف داء يلزم علاجه والوقاية منه، وهو أمر من الصعب الاعتراف به.

ما يبعث على القلق أن معظم الأطفال اليوم أصبحوا ينشأون داخل دوامة من العنف والاحتقان تبدأ داخل الأسرة ولا تنتهي عند باب المدرسة، والأسوأ في هذا كله أن الآباء عوضا أن يكونوا مثالا جيدا يقتدي به أبناؤهم في طريقة تحاورهم، ينزعون على الأغلب إلى تجاوز حدود الاحترام، فيشبعون بعضهم بعضا بالإهانات والإساءات، وتتملكهم الحماسة في الدفاع عن آرائهم بشراسة، فيرفضون الاستماع إلى وجهات نظر تختلف معهم، وكأن كل واحد منهم يحاول إلغاء الآخر، متناسين أنهم يعيشون في البيت نفسه، وأن هناك مكانا فيه لجميع الأفراد ولكل الأفكار.

أعتقد أن الحوار الناجح والبناء يبدأ دائما من نقطة التشابه وليس من نقطة الاختلاف، فعوض أن نفكر من المنظور الذاتي، لمَ لا نفكر من منظور الطرف الآخر، ومن يعلم لعلنا نغيّر وجهة نظرنا! وهذا النوع من التحاور، قد يجنّب أطراف النقاش أي سوء تفاهم ويؤدي إلى الحفاظ على العلاقات الأسرية والاجتماعية متماسكة ومترابطة.

21