"البيرشمان" عرض مسرحي تونسي عن الإنسان التائه في فوضى المدينة

الأحد 2015/01/04
البيرشمان هو ملتقط الاصوات: عمل مسرحي استثنائي

قبل البدء كان الصمت، قبل أن تأتي الكلمة، الكلمة التي تعوم في الصمت لتملأه كما يملأ الهواء رئة. ماذا حدث بعد البدء، ليكون الصمت مجرد فاصلة منبوذة بين الكلمات، ودلالة على الضعف والخنوع وعدم الجدوى.

هل صمت الضحايا عن الظلم والتجاوزات والاعتداءات التي تقع عليهم هو مساهمة ومشاركة مبطّنة في وقوع جرائم الاعتداء واتساع رقعة انتشار الظلم؟

ما الأسباب الحقيقية لظاهرة ثقافة الصمت الاجتماعي السلبي، وما هي الحلول؟ ثم ما هو فعل الكلمات بنات الصمت اليوم، تلك التي تحولت إلى مجرد أزيز مكرر في عالم الآلات والجدران؟ قضايا كبرى تطرحها مسرحية “البيرشمان” أو “الإنسان هو الإنسان” للمخرج المسرحي التونسي عماد الميْ.

عماد الميْ المخرج المسرحي التونسي، من مواليد سنة 1984. خريج معهد الفنون الركحية والدرامية بتونس، له عدة تجارب في الإذاعة والمسرح المدرسي، إضافة إلى المشاركات الدولية، له عدد من المسرحيات مثل “ورطة” و”قلب حي”، وغيرها من الأعمال الكثيرة التي ساهم فيها إخراجا أو تمثيلا.

دخل الميْ في مسرحيته الأخيرة “البيرشمان” من عتمة البدايات، من الصمت مرورا بالصوت، ليحكي لنا العالم المختبئ في ركن بسيط من خلال “البيرشمان”، والبيرشمان هو ملتقط الصوت في السينما، يحمل تلك الآلة (البيرش، أو المكرفون) ليلتقط الأصوات، أصوات الفضاء الذي يمثل فيه المشهد أصوات الممثلين، أصوات المشهد. الميْ إذن يرصد هذا المشهد في ركنه ليفتحه على احتمالات إنسانية واسعة.


الخلق الثاني


الصمت السلبي تعبير يلجأ إليه بعض الضحايا لشعورهم بالخوف والرعب النابعين من فقدان الأمان، وعدم الثقة بالنفس، والضعف وعدم القدرة على البوح والشكوى، وغياب الاستعداد النفسي لمواجهة النتائج المترتبة عن الشكوى والبوح، وهناك من يلجأ إلى الصمت السلبي لتحقيق مصالح خاصة أيضا.

في البداية يعمّ الظلام، وحدها أصوات طفيفة تتسرب فيه، يضاء قليلا، لكن لا كلمة بعد، هكذا تدب حركة خمسة ممثلين على الركح في ضوء خافت، حركة يشوبها التشوش كأنهم كائنات ولدت للتو، ثم تندلع كلمات متداخلة، وكأننا أمام بدء من نوع آخر، لم يبدأ بكلمة، بل بالضوضاء، نحس كأننا قبالة خلق من نوع آخر، خلق متعجل وفوضوي، ترتفع الضوضاء، إلى درجة الحمّى في الحركة والأصوات التي تبدو نشازا، تعصف برأسك إلى أن تهدأ عاصفة الحركة والأصوات على الركح، ودفـعة واحدة يبدأ العرض بجملة “لو كل منا تكلم فيما يفهم لنال الصمت مكانه في هذا العالم”.

الشخصية تحاول سبر معنى وجودها

إن الذات التي أقامها الاختزال ليست شيئا آخر سوى البدء بحياة دالة، والولادة المتزامنة لكائن يقول العالم، كائن يتكلم، لذلك نلاحظ حدوث خلق فوضوي في ظاهره بسيط المكونات، في حركة وأصوات مكررة يؤديها الممثلون على الركح، وكأن عماد الميْ يريد أن يكاشفنا منذ البدء بهذا الخلق الثاني للإنسان، في عالم ممتلئ لكنه فارغ، إنه الخلق البسيط والفارغ في ظاهره، ثم تنكشف الشخصيات وبينها الشخصية المحورية “البيرشمان” الذي يكتفي بالتقاط الأصوات، أصوات الفضاء وأصوات كل حركة تدب في وعاء الركح وخارجه، دون أن يقول كلمة واحدة.

إلى أن تدخل الشخصية الرئيسية محمد وهو موظف في البريد متزوج بمريم، يحكي لنا عن حياته الروتينية في المدينة بين الجدران، يشتكي من إيقاع الحياة السريع الفوضوي المليء بالأصوات الفارغة، والفارغ من المعنى، الفارغ من الهدف. تدخل مريم زوجته وهي شخصية أخرى، أبرز ما فيها أنها شخصية لا تتكلم إلا آخر العرض.

الأمر بسيط إذن في ظاهره، الديكور هو منزلهم غرفة النوم، الصالون، الحمام، الحكاية تبدأ من اكتشاف محمد أن مريم زوجته عاقر، لكنه لا يهتم بأن ينجب ذاتا أخرى إلى هذه الفوضى والروتين القاتلين، اللذين تفرضهما المدينة المتوحشة ذات البياض البارد، التي تحوّل حتى أبسط الكلمات، حتى كلمة الحب أو الأنين، إلى صوت مفرغ لا معنى له.

حتى الصمت لا مكان له فيها، وكأنها تسحبك من كل ما يمكنك من التأمل والخلق لتصبح آلة لا تتوقف، تتحرك بنفس النسق إلى أن تتعطّب أو تنتهي صلاحيتها.

الممثل يسرع في الكلام يحاول أن يقول من ركن حياته البسيط ما يعانيه إنسان اليوم، الإنسان الآلة، حيث حتى الحب تحوّل إلى واجب والحياة تحولت إلى خطوات محسوبة ومكررة، حتى الكلمات تحولت إلى صمت سلبي، في دلالة على الخنوع وعدم القدرة على الفعل.

فجأة يكتشف صديقا مريم ومحمد وهما كمال وزوجته صابرين، أن مريم العاقر حامل، انبهرا بفكرة الصبي الذي ستنجبه، ضخّما الأمر، حتى تحوّل الصبي إلى معجزة، المهدي المنتظر.

إنهما يمثلان المجتمع الذي تعوّد بالعادة وكل ما يخرقها هو خارق، لكن أليس الإنسان هو ذلك الكائن المبدع الذي يمكنه أن ينتج في كل لحظة وفي كل نفس فكرة، وعيا، شيئا مغايرا.

إذن هذا الصبي الذي أمسى معجزة دون أن يبرز بعد وإلى آخر المسرحية حتى في بطن أمه، تحول إلى المهدي المنتظر، الكائن الوهمي، الكائن الخارق، الذي ينتظره المحكومون بوهم العادات البالي منها والجديد المتكلمون بصمت، الصمت تحوّل إلى العادة والاستكانة والفراغ.


التوجه المينيمالي


نخرج قليلا عن المسرحية لنحدثكم عن الجمالية الميْنيمالية التي اعتمدها الميْ في عمله، تلك التي تنتهج التقليص عنصراً أساسيّاً للاستمتاع العميق بالموجود، خلقت لها موسيقاها، خلقت لها فلسفتها في جمالية وفكر من أبسط المكونات وبأقلها، حيث تعتمد الديكورات فيها على الخطوط المستقيمة وبعض الانحناءات التي تخلو من البهرجة والألوان. وبدلاً من الاهتمام بـ”الاكسسوارات”، يستنطق هذا الأسلوب الجدران والأرضيّات والمسطّحات والإضاءة للحصول على مظهر “ميْنيماليّ”.

الممثلون ينزلون إلى الجمهور ويخاطبونه

إنها البساطة في النص والفكرة القائمين على التكرار، كل ذلك من أجل سبر أعماق الوجود ببساطة، وكأنها دخول إلى بويضة العالم دون أن نكسرها. كأنها دعوة إلى الاقتصاد، تنتهج في ذلك ما يشبه سياسة اللغة، التي تذهب إلى الاقتصاد قدر الإمكان لكي لا تستهلك ذاتها وتؤدي وظيفتها الدلالية التواصلية.

إذن عماد الميْ ينتهج هذه البساطة والاقتضاب في الديكور وفي الحكاية وفي الطرح، اقتصاد يخلق جمالية مطلقة، ولا ننسى هنا تعويله على الأصوات وعلى الموسيقى وعلى البيرشمان والبيرش.

لكنه يفجر كل ذلك، يفجر الركح، لينزل الممثلون إلى الجمهور ويخاطبوهم بقصيدة للصغير أولاد أحمد تتحدث كيف دمرتنا المدينة، كيف أفرغتنا المدنية التي تحولت إلى آلات.

تعود الحركة يعود الصراخ إلى الركح تعود الفوضى، لتنفجر مريم أخيرا، هذه الصامتة بسلبية مطلقة تتكلم أخيرا، تثور على الفراغ، الفراغ والسلبية اللذين تعانيهما جل المجتمعات العربية الغارقة في الاستبداد وتقارعه بالصمت والخنوع.

مريم تعلن أخيرا أن ابنها ليس وليد وهم العادة، ليس وليد خرافة، أو صورة واهمة خلقها الغير، إنه ذات مستقلة بنفسها ساهمت هي في مرورها إلى الضوء، ساهمت في نقلها من العدم الصامت إلى الواقع والكلام والأصوات، لذلك تقرّ أن ابنها ذات لا نسخة من الآلات، ذات لها حريتها وخصوصياتها.

الأمر برمته لعبة أتقنها المخرج عماد الميْ في نقل صورة الإنسان اليوم، الإنسان التائه في المدينة وبين أوهامه وعاداته وسلبيته، بين الأصوات وانعدام المعنى، انعدام الأمن والخوف من الحرية.

يبدأ بخلق فوضوي لينتهي بوعد بخلق آخر على أنقاض الفوضى والأصوات المكررة. وكأننا أمام العود الأبدي الذي تحدث عنه نيتشه وحذّر منه، عماد الميْ إذن يحارب شأنه شأن نيتشه ظاهرة العود الأبدي أي التكرار المطلق للإنسان في أحلامه أو حتى في أبسط تجلياته اليومية.

14