البيروقراطية تفجّر بالون مكافحة الفساد في تونس

تونس تقهقرت في مؤشر مكافحة الفساد لعام 2019، ما يعني أن أجهزة الدولة، رغم ترسانة التشريعات التي بحوزتها، تعاني من "موت سريري".
السبت 2020/01/25
خسائر متفاقمة جراء سوء الحوكمة والفساد، الذي ينخر الاقتصاد

البيروقراطية فجّرت مرة أخرى بالون مكافحة الفساد في تونس، فقد أظهرت آخر التقييمات أن ضعف مؤسسات الدولة وتراخي السلطات في وضع حد لهذه الظاهرة سببان رئيسيّان في تراجع البلاد على سلم تصنيف منظمة الشفافية الدولية لعام 2019.

خطورة ظاهرة الفساد التونسية تكمن أساسا في العمى الشامل في مواجهة منابع الفساد وجذوره العميقة. فهناك مؤشر وحيد يؤكد الحقيقة المرة، وهو الإجماع الشعبي على أن الظاهرة تتفاقم ولا يمكن التصدي لها. ولكن، هناك اعتقاد سائد يتمحور حول أن الطرفين (الشعب والسلطة) مسؤولان عن تلك المشكلة الأزلية.

تكشف أحدث البيانات المتعلقة بالشفافية أن تونس لم تتمكن من إحراز أي تقدم في هذا الملف طيلة السنوات التسع الأخيرة، ما يعني أن أجهزة الدولة، رغم ترسانة التشريعات التي بحوزتها، تعاني من “موت سريري” وأن الجميع مساهم في مأسسة الفساد وتقنينه.

فعند تسليط الضوء عن كثب على هذه القضية المزعجة والأكثر إضرار بالاقتصاد نجد أن الفساد يحقق بثبات قفزات نوعية في ظل الفشل في تطويقه، ويرسخ القناعة بوهم مكافحة السلطات لهذه الآفة ويزيد من قتامة مستقبل الاقتصاد الهزيل.

أرقام منظمة الشفافية الدولية الأخيرة تؤكد أن تونس لم تحافظ على مركزها في التصنيف الدولي لمكافحة الفساد خلال العام الماضي، حيث تقهقرت إلى الوراء بمركز واحد قياسا بالسنة السابقة، لتحتل المرتبة 74 من أصل 180 بلدا.

ومن الواضح أن الحرب التي أطلقتها حكومة يوسف الشاهد في 2017 على لوبيات الفساد والتهريب وتمويل الاحتجاجات، التي دمرت اقتصاد البلاد لم تأت بنتائج تذكر بسبب المحاصصة الحزبية والتجاذبات السياسية.

منظمة الشفافية ترجع انحدار تونس إلى ذلك المستوى في التنصيف إلى غياب الإرادة السياسية، التي تتجسد في تفاقم ظاهرة الإفلات من العقاب مع الانتقائية في تحريك ملفات الفساد، فضلا عن عدم تفعيل قانون حماية المبلّغين.

خبراء المنظمة أشاروا في تقريرهم السنوي، الذي تم الكشف عنه خلال وقت سابق من يناير الجاري، إلى أن أداء السلطات الثلاث، وهي التشريعية والتنفيذية والقضائية، ضعيف ويحتاج إلى الصرامة لاقتلاع أسباب هذه الآفة من جذورها.

كافة المسؤولين اللذين تقلدوا مهامّا في صلب الدولة، تعهدوا بمكافحة الفساد وتوعدوا الفاسدين، لكن لا أحد تجرأ حتى الآن على استئصال هذا “الورم الخبيث” أو على الأقل التقليل منه، فالطبقة السياسية تنبذها في الظاهر ولا تفعل شيئا في الباطن وهذه الأيادي المرتعشة لا يمكن لها أن تحل المشكلة.

تونس تحتاج إلى تغيير نمط علاج الغش والرشوة حتى تستطيع التقدم في التصنيف، رغم أنها عربيا في مرتبة تبدو مقبولة بعض الشيء لاحتلالها المركز السادس، ليس ذلك فحسب، بل إن تواصل غض البصر عن جذور المشكلة سيحافظ على مستوى خسائر الدولة عند نقطتين مئويتين سنويا، كما تشير إلى ذلك الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد.

بيد أن الجمعية التونسية للحوكمة، تعتقد أن خسائر البلاد جراء سوء الحوكمة والفساد، الذي ينخر الاقتصاد، أكبر من تلك التقديرات، إذ يمكن أن تتراوح تلك الخسائر من 3 إلى 4 نقاط مئوية من معدلات النمو سنويا.

يظهر مؤشر منظمة الشفافية الدولية أن ترتيب تونس ضمن دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يأتي بعد كل من دولة الإمارات، التي تحتل المركز 21 عالميا، ثم قطر في المركز 30، تليها السعودية في المركز 51، وسلطنة عُمان في المركز 56 والأردن في المركز الستين.

بالرجوع إلى المؤشرات الصادرة منذ عام 2010 وحتى العام الماضي، يمكن ملاحظة أن تونس لم تغادر المراكز الفاصلة بين 73 و75، الأمر الذي لا يدع مجالا للشك بأن البيروقراطية لا تزال متغلغلة في مفاصل الدولة، وأن تسويق الحكومات المتعاقبة خلال السنوات التسع الأخيرة، على أنها من يكافح الفساد كلام غير دقيق.

هذه المراكز المتدنية لا تبعث الثقة بالاقتصاد التونسي، كما أنها قد تؤدي إلى عواقب خطيرة، حيث أن المستثمرين يركزون على مثل هذه التصنيفات كونها تحدد وجهة رؤوس أموالهم. وحتى إن تم تجاوز هذه النقطة، فإن هناك عوامل أخرى ربما لا تساعد على تحقيق أهداف التنمية.

لقد عطل الفساد تحقيق نقلة في طبيعة الاقتصاد التونسي وتسبب في هروب رؤوس الأموال إلى دول مجاورة. ولعل اعتماد الدولة بشكل متزايد على الاقتراض من المؤسسات المالية العالمية والدول المتعاطفة مع ديمقراطيتها الناشئة، لتغطية العجز الكبير في الموازنة، أكبر دليل على تخبط النشاط الاقتصادي وضعف إقبال المستثمرين المحليين والأجانب.

الكثير من الدراسات حول الفساد أجرتها منظمات محلية تتابع تحركات عمل السلطات طيلة السنوات القليلة الماضية، أكدت تأزم العلاقة بين الاستثمار والتنمية من جهة، وكفاءة المؤسسات الحكومية من جهة أخرى، وهو ما أدى إلى إبطاء وتعطيل عجلة النمو. فتحريك عملية التنمية المستدامة يتطلب الشفافية وردع الفاسدين، وهو ما تفتقر إليه تونس حتى الآن.

إن منسوب الفساد الإداري والمالي والتهريب يتزايد بشكل ملحوظ سنويا في جميع مفاصل الدولة بصورة لم يعد يمكن معها التغاضي عنه باعتباره أحد أبرز العوامل التي تكبّل النمو، فالبيانات تشير إلى أن الخسائر السنوية للبلاد تقدر بنحو 830 مليون دولار كل عام.

وبمتابعة تفشي الفساد الإداري في العديد من هياكل الدولة رصدنا مرارا ومن خلال التعاملات اليومية، أنه أدى كذلك إلى تفاقم ظاهرة التجارة الموازية، التي كبدت خزينة الدولة خسائر بالمليارات من الدولارات سنويا منذ الإطاحة بنظام الرئيس الراحل زين العابدين بن علي.

وتعزز بيانات الجمعية التونسية للمراقبين العموميين، وهو جهاز يرصد التعاملات في ما بين الإدارات الحكومية، والتي تظهر أن قرابة 90 في المئة من السكان يعزون استفحال الرشوة إلى غياب الإرادة السياسية، الاعتقاد بأن الفساد تحول إلى ثقافة وبات أسلوب تعامل عادي ووسيلة لتسهيل الإجراءات الإدارية.

11