البير كامو في "وقائع جزائرية" المستعمر والمستعمَر شيطانان في صراع دموي

الخميس 2013/10/31
لم تشفع له جزائريته عند النقاد

"يا لسوء حظ رجل بدون مدينة.. لن أظل بدون مدينة.. إنني بلا مدينة"، هكذا تغني الجوقة في كتاب "مذكرات: 1951-1959" بقلم الروائي الفرنسي ألبير كامو (1913-1960). ولكنه يمتلك مدينة، وهي ليست فرنسية، بل جزائرية وُلد فيها لأسرة من الطبقة العاملة تَرجع أصولها إلى مستوطنين فرنسيين، وقد تاقت نفسه إليها حين غادرها إلى باريس عام 1942. وعن مسقط رأسه خطَّ كتاب "وقائع جزائرية" الصادر باللغة الأنكليزية عام 2013 عن دار نشر جامعة هارفارد في الذكرى المئة لميلاد كاتب الوجودية العتيد. ترجم الكتاب الأميركي أرثر جولدهامر (1946) وحررته أليس كابلان رئيسة قسم اللغة الفرنسية بجامعة ييل.

يضمّ كتاب "وقائع جزائرية" مختارات من مقالات كامو وخطاباته على مدار عشرين عاماً من التاريخ الاستعماري، بدءاً بفترة ما قبل الحرب العالمية الثانية وصولاً إلى تأسيس الجمهورية الخامسة؛ يسبر العلاقة الشائكة بين فرنسا والجزائر متأملاً بعين الأخلاق قضايا الفساد والإرهاب والظلم والعائلة والاستعمار ومتيحاً لكامو فرصة – وإن جاءت متأخرة – لعرض قضيته على الجمهور الناطق بالأنكليزية.. يشدد كذلك الكتاب على كلمة كامو الأخيرة في الشأن الجزائري ليضع حداً لعامين ونصف من صمت أعقب دعوته الفاشلة المحبِطة إلى هدنة مدنية بالجزائر عام 1956؛ صمت استحال وفقاً لكابلان في مقدمتها "كنايةً عن الجُبْن".

براءة القصد

لا شك في أن كامو لم يتحاش -روائياً أو صحفياً- الحال الجزائري. تصرخ روايته "الغريب" (1942) بعبثية الكون فيما تتدبر رواية "الطاعون" (1947) مغزى الحرية داخل الحجز الصحي وخارجه، وكلاهما جزائري الشكل والجوهر.. صحفياً أنجز كامو عام 1939 تقارير عن القبائل، وهي منطقة جبلية تسكنها أقلية بربرية. وشأنه شأن القاص الروسي شيكوف عند زيارته لجزيرة ساخالين، تولاه الانزعاج لِما نجم عن القحط من كوارث إنسانية، "الحقيقة هي أننا نعيش يومياً بجوار أناس لا تختلف حالتهم عن الريفيين الأوروبيين منذ ثلاثة قرون بيد أننا -ونحن فقط- لا نبالي بمأزقهم اليائس".. غامر بعد ذاك بطرح اقتراحات راديكالية، "سوف يتوفر لهم المزيد من المدارس عند إزالة الحاجز الزائف بين مدارس الأوروبيين ومدارس أهل البلد".

ولكن كامو كف في العقد السادس عن القيام بدور المتحدث بلسان الجزائر بعد أن كان شاباً في طليعة مسلطي الضوء على ورطتها فلَاح كالمنفصل عن واقع مسقط رأسه. الحق أن هذا لم ينبع من بيعه للقضية، وإنما من منظور عالمي لم يَرْنُ إلى الجزائر إلا باعتبارها فرنسية.. حينما ناقش مُعَلِّمه الفرنسي جان غرونييه مصير الجزائر إن حررتها فرنسا عند تناهي فضائح الوحشية الفرنسية، أصر كامو بشيء من الحدة، "لا يمْكنها، لأنها لن توافق أبداً على رمي مليون ومئتي ألف فرنسي في البحر".

وبمقدور المراقِب أن يتوقع آراء كامو خلال تلك الفترة من خلال مواقف فلسفية تنحو إلى السلمية كخطابه المفتوح إلى السياسي الفرنسي إيمانويل داستي دو لا فيجيري عام 1948: "ما أقول هو أنه يجب أن نرفض إسباغ أية شرعية على العنف، سواء أتت من السلطة الحاكمة أو من الفلسفة الديكتاتورية. العنف لا مفرّ منه، ولا سبيل إلى تبريره".

ومع ذلك لم يَسلم كامو وقتذاك من انتقاد عنيف بسبب ما قيل إنه عدم اكتراث منه للأزمة الجزائرية. وحين لقي حتفه في حادث سيارة بفرنسا، كان محل احتقار معاصريه من اليسار واليمين على حد سواء؛ ومن أبرزهم الأيرلندي كونور كروز أوبراين والأميركي فلسطيني المولد إدوارد سعيد. فقد رموه بالسذاجة، وفي الوقت نفسه الدوغماتية، لِما أضمره من أمل في التوصل إلى حل "ينأى عن التطرف" لمسألة الجزائر. لم يرحب أحد بموقفه الاعتدالي وعناصر الجيش الفرنسي اليمينية تحاول تنظيم انقلاب جزائري.

يضبط هذا الكتاب الرؤية ويقدِّم عدة أدلة على براءة القصد، وإن ظل قصداً خيالياً لا سبيل إلى تطبيقه على أرض الواقع. حاقت بكامو صدمة لجوء الجيش الفرنسي إلى التعذيب المنهجي موجِّهاً الخطاب إلى الفرنسيين "إن التعذيب يؤذينا أكثر من مئة من المغاوير الأعداء"؛ ولكنه لم يدعم استقلال الجزائر الكامل معتقداً بإمكانية تحقيق فيدرالية -تفتقر في الواقع إلى العملية والإنصاف- على نهج الفيدرالية السويسرية تتألف من فرنسا ومستعمراتها السابقة.

لم تشفع النشأة الجزائرية لصاحب نوبل عند النقاد ممن استقبلوا هذا الكتاب بنسخته الفرنسية عام 1958 بصمت ينمّ عن الاستنكار. فقد صدر عقب نشر كتاب المناضل الشيوعي الجزائري الفرنسي هنري أليغ "القضية" بما يحويه من سيرة ذاتية مرعبة عن وقوعه تحت أيدي المعذِّبين الفرنسيين في أحد سجون الجزائر.

انقضى عام ثم صدر كتاب "الغنغرينا" ليقص معاناة سبعة من المفكرين والطلبة الجزائريين عذبتهم السلطات الفرنسية. يستنكر لايال ستيورات ناشر الكتاب الأميركي الواقعة في مقدمته، "لم يقع التعذيب في طريق ريفي موحش على بعد ثلاثة أميال من قرية بدائية. لقد تم في قلب باريس، بعد ثمانية أشهر من تولي شارل دي جول الحكم، على بعد أقل من ثلاثمئة ياردة من قصر الإليزيه."

وعلى الجانب الآخر لم يتهاون كامو مع الطرف الثاني فأبى دعم عمليات -إرهابية في نظره- تورطت فيها جبهة التحرير الوطني. ومع الفريقين يطيح كامو بمفكرين دافعوا عن العنف ضد الأبرياء تحت اسم مناهضة الاستعمار، إشارة إلى الوجودي الفرنسي جان بول سارتر؛ "وهكذا يبرر كل جانب أفعاله من خلال الإشارة إلى جرائم عدوّه. إنه تحايل على الدماء ينبغي ألا يتورط فيه المفكرون إلا إذا كانوا مستعدين لحمل السلاح بأنفسهم".

اللعب على حبليْن

وبالرغم من تجرُّد دعوة كامو الأخيرة من المنطق -عدا المنطق الأخلاقي العاري من المعنى في عالَم مترع بالعنف وشعب راغب في الحرية- وبالرغم مِن أن مَن يختار جانباً يخسر أكثر ممّن يكتفي بتسديد الانتقاد؛ تتميز تصريحات كامو المتعاقبة في الكتاب باتساق لافت في قناعته الأخلاقية وتفاؤله العنيد وقدرته على التشبث بمبادئ العدالة. كتب كامو أن هدفه هو "بلوغ المستقبل الوحيد المقبول: مستقبل تعتنق فيه فرنسا بصدق تقليد الحرية وتُنْصِف كل جاليات الجزائر بدون تمييز جالية عن أخرى."

لم يختلف خطاب كامو كثيراً في مقدمة 1958 فنجده المرة بعد المرة مثالياً واعظاً كمن يتحسر على شريرين ينخرطان في صراع أبدي.. يُذكِّر الفرنسيين، "يجب أن نرفض تبرير هذه الأساليب تحت أية دعوى أياً كانت، بما فيها الفعالية.. بمجرد أن نَشرع في تبريرها، ولو ضمنياً، لن تتبقى أية قواعد أو قيم."

وعلى الغرار نفسه يعنِّف -دون أن يطرح بدائل ذات قيمة- جبهة التحرير الوطني التي لم تُسقط من الفرنسيين عُشر ما أسقط الاحتلال من ضحايا، مطالباً إياها في ما يبدو أن تتلفع بلفاع غاندي، "مهما كانت القضية محل دفاع المرء، سوف يَلحق بها الخزي الدائم لو لجأ إلى شن هجمات عمياء على حشود الأبرياء".

اعتقد كامو أن النقد لن يؤدي إلى أية نتيجة، "لا بدّ من إدانة كل من المعسكرين". وهكذا لم يَرفع كامو أبداً شعار الثورة، ومقارنةً بسارتر قد يتراءى ممتثلاً للأعراف القائمة.

يكمن الجانب الإيجابي في هذا الاستبصار الأخلاقي في تحرر كامو من وهم الشيوعية ومعارضته لعقوبة الإعدام مما حضَّه على رفض إزهاق أرواح المتعاونين مع النازيين وقادة جبهة التحرير على حد سواء. يفضي كامو إلى أحد المقاتلين الجزائريين في خطاب آخر بعد أن ضاق عليه حصار القهر الاستعماري والدموية المضادة له، "صدِّقني حين أقول لك إني أتألم للجزائر في هذه اللحظة مثلما يشعر الآخرون بالألم في رئتيهم". مَن يدري إصابة كامو بالسل في طفولته، سوف يدرك مدى قوة هذا التشبيه.

واليوم، وعلى الرغم من تأخر هذه النسخة الأنكليزية، فقد أتت في موعدها، فمع مستقبل غائم ينتظر الربيع العربي، وعودة شرسة لإرهاب لم ينقضِ بحق -إرهاب الدولة في حال الشأن السوري وإرهاب الإسلام السياسي في حال الشأن المصري- باتت هذه النوعية من النصوص أشد إلحاحاً ومصداقية لِما تحثه فينا على إدراك ماهية العنف ودوافعنا إلى استخدامه، مدى جدوى السلم عند المقاومة، وسلبية تُلطخ تاريخ المفكر حين يقف "سلمياً" على الحياد منتقداً الجميع دون استثناء أو خسارة يتكبدها من جانبه.

معضلة أخلاقية


إن الرغبة في خلق "غاندي" من "كل" صاحب سلطة أو معارِض لا تمس الواقع في شيء، والقول إن "كل" عنف فهو ظالم قول مظلِّل يشجب كل مقاومة في تاريخ البشرية ويحط من قدر أي صراع ضد الإرهاب.

ولا مفر حقاً من اتخاذ خيار: أتنحاز إلى إرهاب الأسد الكيمياوي خشية سلطوية أخرى قد تتحقق أو لا تتحقق دون أن تَبذِل لمنعها رُبع ما تبذله في مساندة السلطة؟! هل ترتعب من "عسكرة" النظام المصري منتقداً عنفا وجَّهه بتفويض من الشعب إلى قلة إرهابية مسلَّحة حين أتيحت لها الفرصة وجَّهت عنفها تجاه المجتمع بأسره؟!

الواقع أنها حقاً معضلة أخلاقية غير أنها تتكل على مدى قدرة المرء على بذل نفسه ورؤية الحق غير متخفٍ وراء الشعارات. لا بد أن إحساساً بالراحة خالج كامو في هذه المنطقة الرمادية الصارخة في وجه كل مَن يرفع سلاحا في نزاع يرفع فيه الكل سلاحاً. لم يعد هذا الكتاب تاريخاً، وإنما وثيقة تهدينا إلى كيفية توخي العدل "الإيجابي" في منظومة ظالمة يطغى عليها -سواء اشتركنا فيها أم عزفنا عنها- العنف.

15