البيكيني والبوركيني

الأحد 2016/09/04

أثار موضوع البيكيني (المايوه الذي بالكاد يستر الجسد) والبوركيني (اللباس الخاص بالسباحة والذي يستر الجسد حتى الرأس) جدلا كبيرا ونقاشات حادة لا تنتهي، إلى أن أقرت أعلى سلطة قضائية في فرنسا السماح بارتداء البوركيني. وأعتقد أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في مجرد لباس، بل أساس المشكلة هو عدم القبول بالمساواة مع الآخر، وفرض حكم قيمة على الآخر بأنه مُتخلف ورجعي ومرفوض وغير مرغوب فيه، لمجرد أنه لا يُشبهني ولا يتبنى أفكاري ونظرتي للأمور.

من تقتنع بكشف جسدها ولبس البيكيني ومن تخلع حمالة نهديها بكل بساطة أمام كل الناس لتعرض أكبر مساحة من جسدها للشمس تؤمن أنها مُتحررة وعلى حق، وتنظر -غالبا- باحتقار وفوقية لتلك التي تستر جسدها وتغطي رأسها بلباس البوركيني، بل تعتبرها كظاهرة من مظاهر تلوث الشاطئ والاعتداء على العقلية المتحررة التي تتمتع بها أوروبا وهي الكشف عن الجسد والسباحة عراة أو بارتداء قطعة قماش تكشف أكثر ممّا تستر.

ولطالما سمعت فرنسيين أو متفرنسين (من جنسيات مُختلفة) يشتمون المحجبات واللاتي يلبسن البوركيني ويحتقرونهن ويطالبن بأن يُرحّلن من دول أوروبا لأنهن يحملن عقلية غير تحررية كعقلية اللاتي يربطن العري بالتحرر الذهني والفكري. وبالمقابل وكردّ فعل على ذلك التقييم والرفض للمحجبات ومؤيدات البوركيني، يحق لهن أيضا -على مبدأ الفعل ورد الفعل- أن يحتقرن شبه العاريات في البيكيني.

وأمام هذه المُعطيات والرفض العميق لقسم من المجتمع للقسم الآخر المختلف عنه بالمعتقد والتفكير والعادات والتقاليد، أي سُخف أن نتحدث عن الاندماج في المجتمع وعن قبول الآخر! وفي فرنسا وحدها التي تضم عدة ملايين من المسلمين الحاملين للجنسية الفرنسية ألا يحق لهؤلاء اختيار اللباس المُتناسب مع عقليتهم ومعتقداتهم (ما عدا النقاب طبعا لأنه يُخفي الوجه).

ما الأذى الذي يسببونه لمن يصنفون أنفسهم متحررين بلباسهم هذا؟ كما لو أن التحرر مُرتبط باللباس! وليس بطريقة التفكير، التحرر الحقيقي هو قبولي للآخر والاعتراف بحقوقه كاملة كما أؤمن بحقوقي، المظهر لا يدل على شيء، فكم من ناس يبدون متحررين في المظهر ولكن تفكيرهم متخلّف، والعكس صحيح أيضا. ومن يعطي أحدهم حقا ليطلق حكم قيمة أو ليحدد علاقة الآخر بالبحر والشمس والهواء؟ أليست الغاية من السباحة هي ممارسة الرياضة والتعرض لأشعة الشمس والتمتع بهواء البحر المُنعش، ألا يحق لكل إنسان أن يرتدي ما يريد ويكون مرتاحا في لباسه ومتجانسا مع معتقداته؟

أليس قمة في الاندماج والمحبة وقبول الآخر أن نجد امرأة تلبس البيكيني تصادق وتتحدث مع امرأة ترتدي البوركيني وكل واحدة منهن تحترم عقلية الأخرى وتنظر إليها كشريكتها في الإنسانية، أليس منظرا حُرّا ويعكس الاندماج في المجتمع أن نجد على الشاطئ (أيّ شاطئ في العالم) نساء يلبسن البوركيني ونساء يلبسن البيكيني لكن يجمعهن البحر والرياضة وقبول الآخر. ألا تعني الدولة العلمانية احترام عقلية وعقيدة وعادات وتقاليد كل الناس بشرط ألا يؤذي أحدهم الآخر؟

لكن للأسف ثمة من يُغذّي الأحقاد ويُلصق صفات شيطانية ومؤذية بشريحة واسعة من المجتمع، وبالدين تحديدا، حتى ابتعد الجميع تقريبا عن التفكير العقلاني الحيادي غير الحاقد وغير المُستند إلى مفاهيم جامدة مُسبقة، وأصبحت طريقة التفكير مجرد إدانة للآخر، وأصبح تعبير (الخوف من الإسلام أو الإسلاموفوبيا) تعبيرا ومفهوما راسخا يستحيل على صاحبه أن يزحزح أفكاره قيد أنملة. كم أحسّ بالخزي حين أسمع شريحة تدّعي الثقافة والتفكير الحر تتمنى وتطالب بطرد المحجبات والمسلمين من دول أوروبا وأميركا، وهذا ما قاله المُرشح الأميركي للرئاسة ترامب، وغيره من السياسيين من اليمين المتطرف. المشكلة التي أثارت ضجة هائلة ليست في مجرد لباس يستر أو يكشف الجسد بل في رفض الآخر وإدانته لأنه ليس مرآتي ولا يتبنى أفكاري.

وأخيرا كان قرارا صائبا اتخذته أعلى سلطة قضائية في فرنسا بالسماح بستر الجسد كحرية معتقد، أي السماح بالبوركيني.

كاتبة من سوريا

21