البيك وليد جنبلاط المتقلب حامي الدروز وصاحب دور بيضة القبان

جنبلاط "لاعب" سياسي نادر، كثيرون يعيبون عليه "تقلباته" غير أنه ظلّ على مدى السنوات الأربعين الماضية رقماً صعباً في المعادلة السياسية الداخلية، وقطباً يسعى كثر لخطب ودّه.
الخميس 2020/10/22
جنبلاط يحافظ على موقع الرقم الأصعب في المعادلة السياسية اللبنانية

منذ أن وجد رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي اللبناني وليد جنبلاط نفسه منغمساً في السياسة عقب اغتيال والده الزعيم الراحل كمال جنبلاط في العام 1977، وهو يؤكد من خلال كل المراحل التي مرّ بها وشهدت تغيرات إقليمية ودولية انعكست على الداخل اللبناني، أنه حالة سياسية فريدة حتى بالمقاييس اللبنانية خصوصا وقد فرض نفسه كمعطى لا يمكن الاستغناء عنه في “قولبة” التحالفات، أو وضع القوانين الانتخابية أو تشكيل الحكومات أو رسم المسارات السياسية في لبنان أو حتى كشف المدى الذي يمكن لسياسي لبناني ان يتقلب فيه، وذلك باعتراف من الحلفاء والخصوم على السواء.

كثيرة هي المحطات السياسية التي حملت بصمات جنبلاط، وهي تدل على المروحة الواسعة من العلاقات الدولية والإقليمية التي صاغها بحكم حنكة سياسية وثقافة يفتقدها معظم السياسيين اللبنانيين، والتي جعلت منه أحد أهم “قراء” التحولات السياسية الاستراتيجية -أو التقلبات- التي يستند إليها من أجل إطلاق مواقفه التي لا فرق إن أصابت بسهامها الصديق أو الخصم، طالما أن الغاية هي المحافظة على الثوابت التي أدرك خطورة التخلي عنها في طائفة تجد نفسها مهددة على مدى التاريخ.

قبل صياح الديك

الزعيم الدرزي، وعلى نقيض كثير من "هواة" السياسة في لبنان "يحن" إلى أيام كانت فيه السياسة "مهنة" شريفة على ما وصفها يوماً والده الراحل
الزعيم الدرزي، وعلى نقيض كثير من "هواة" السياسة في لبنان "يحن" إلى أيام كانت فيه السياسة "مهنة" شريفة على ما وصفها يوماً والده الراحل

جنبلاط الذي يقول إن السياسة ليست جامدة بل متحركة في تبرير لمواقفه التي قد تبدو للبعض أنها “تقّلبات” تمليها “مصالحه”، لم يخطئ البوصلة يوماً على ما يقول عنه حليفه “اللدود” رئيس مجلس النواب نبيه بري،  وهو على عكس الكثيرين من “هواة” السياسة في لبنان الذين تخلّوا عن مبادئهم وأنكروها قبل صياح الديك،  لم يخرج يوماً من دائرة المبادئ التي تزيّن جدران دار المختارة، وتدفعه إلى “الحنين” إلى أيام كانت فيه السياسة “مهنة” شريفة على ما وصفها يوماً والده المعلم الراحل.

ومعروف عن جنبلاط أنه يحسن اختيار المواعيد التي يطلق خلالها مواقفه التي تقلب “الطاولة” رأساً على عقب، وهو في إطلالته التلفزيونية الأخيرة لم يخرج عن عادته. فقد رأى في مقابلته على شاشة “الجديد” أن “الأعراف الدستورية تغيّرت، فبحسب الدستور، الكتل النيابية تسمّي من بعبدا الرئيس المكلف، وبحسب الأصوات يكلّف الرئيس. أما اليوم فهناك عرفٌ جديد وتكليف ذاتي يذكّرني بلويس التاسع عشر ‘الدولة أنا’ بدل أن تذهب الكتل النيابية إلى المجلس وتطلب البرنامج، فالشيخ سعد يرسل فريقاً من جانبه، مع ما يسمى برنامجا، للقاء الكتل ويسألهم. غريب كيف أن الأمور تنقلب وكل المواصفات تتغيّر” في رسالة شديدة النبرة إلى سعد الحريري الذي قد يشهد هذا الأسبوع تكليفه بتشكيل حكومته الثالثة في عهد الرئيس ميشال عون.

صراحة جنبلاط وقدرته على تسمية الأمور بأسمائها ميزة لا يتمتع بها كثيرون من أقرانه في السياسة اللبنانية وهو توّجه إلى الحريري بكلامه عبر الإعلام، علماً أن العلاقة التي تجمعه بخليفة الرئيس الراحل رفيق الحريري خاصة ومميزة تسمح له أن يرفع سماعة الهاتف لإبلاغه بما يريد دون الحاجة إلى وسيط، لكنه قالها علناً "مش هيك بيتعامل وليد جنبلاط"، في إشارة إلى عدم تواصل الحريري معه شخصياً في مسألة ترشّحه "الذاتي" لتشكيل حكومة وتنفيذ برنامج الإصلاحات التي نصّت عليها مبادرة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

وأضاف “الرئيس سعد الحريري يقول إنه يريد حكومة أخصائيين دون سياسيين، كما يقول الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، لكننا نسأل أليس هو سياسي؟ في الماضي أتوا بالسفير مصطفى أديب. نظرياً غير مُسيّس، لكنه مثل الروبوت. قالوا له هذه مهمّتك ممنوع التكلم مع أحد ثم سُحب من قبل نادي الرؤساء الأربعة”.

جنبلاط ضد حلفاء جنبلاط

زيارة النائب وائل أبوفاعور إلى "بيت الوسط" ولقاؤه الحريري بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الأخير بجنبلاط ليلاً بعد تصعيده ضدّه، أعادت الأمور إلى نصابها حول تسمية الحريري لتشكيل الحكومة العتيدة
زيارة النائب وائل أبوفاعور إلى "بيت الوسط" ولقاؤه الحريري بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الأخير بجنبلاط ليلاً بعد تصعيده ضدّه، أعادت الأمور إلى نصابها حول تسمية الحريري لتشكيل الحكومة العتيدة

جنبلاط واضح جداً في قضية المبادرة الماكرونية، حيث أن علاقته بالرئيس الفرنسي جيدة على المستوى الشخصي، وهو يعتبر أن المبادرة هي “آخر خشبة خلاص” تنقذ لبنان من الأزمة العميقة التي غرق فيها اقتصادياً، مالياً، اجتماعياً وسياسياً، وسافر فجأة، قبل انتهاء مهلة الأسبوعين التي حددها ماكرون لتشكيل الحكومة بعد تكليف السفير مصطفى أديب، إلى فرنسا وعقد اجتماعات مع المسؤولين الفرنسيين بقيت بعيدة عن الاعلام وهدفها كان الدفع باتجاه إنجاح المبادرة والتسريع في تطبيقها.

كشف عن الظروف التي حتّمت عليه موقفه من عدم ترشيح الحريري لتشكيل الحكومة وقال “لصالح سعد الحريري قلت له من الأفضل أن تسمّي رئيساً للحكومة. كما قلت للرئيس إيمانويل ماكرون من الأفضل أن يكون هناك شخص ثان لأنه برأيي، اسم سعد الحريري مجدداً كان يمكن أن يثير غضب الشارع”.

وعبّر عمّا يمكن تسميته “هواجس” لدى طائفة الموحدين الدروز العرب بالقول “بالأعراف، منذ أيام الشهيد رفيق الحريري، المالية كانت مع السنّة، اليوم مع الشيعة. الطاقة لطائفة معينة، ومحرّمة علينا، والداخلية أيضا محرّمة علينا. كدرزي ووطني أقول، الصحة كانت معنا، هل فشلنا في الصحة؟ الخارجية ممنوعة أيضاً، فإذا كان هناك حجز مسبق، هل يمكن للوطنيين، ومعهم الدروز، أن يحصلوا على وزارة وازنة؟“.

وأضاف “لماذا يريدون إلغائي؟  لماذا السياسي لم يعد مقبولاً؟”. وتوجّه إلى الحريري بالقول “أنت يا سعد الحريري سياسي، وتتّصل بقوى سياسية حاكمة في البلد، وحزب الله حاكم ومشارك في الحكم، وسمير جعجع على طريقته مشارك. فقط نحن نكون لا شيء، لماذا؟”

حلف الأقليات الكريه

جنبلاط يبقى المعطى الأساس الذي لا يمكن الاستغناء عنه في "قولبة" التحالفات وترتيبات اللحظات الأخيرة في الكواليس
جنبلاط يبقى المعطى الأساس الذي لا يمكن الاستغناء عنه في "قولبة" التحالفات وترتيبات اللحظات الأخيرة في الكواليس

لم تكد الليلة تمر على المقابلة التلفزيونية حتى ضجّت وسائل الاعلام بتسريبات حول تردّي العلاقة بين جنبلاط والحريري خصوصاً بعد إعلان رفضه استقبال “وفد الحريري”، وراحت كل وسيلة إعلامية تغنّي على ليلاها وتفسّر كلام جنبلاط على أنه بمثابة العصيّ في دواليب الحريري الساعي إلى العودة إلى السراي، لكن زيارة مفاجئة للنائب وائل أبوفاعور باسم جنبلاط إلى “بيت الوسط” ولقاء الحريري بعد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الأخير بجنبلاط ليلاً أعادت الأمور إلى نصابها واجتمعت كتلة “اللقاء الديموقراطي” التي يرأسها النائب تيمور جنبلاط، ابن “وليد بيك”، للإعلان عن تسميتها الرئيس سعد الحريري لتشكيل الحكومة العتيدة. مرة أخرى يصعب التمييز بين التقلب ولعب دور بيضة القبان.

بالطبع شكّل هذا الواقع استفزازاً كبيراً بالنسبة إلى رئيس “التيار الوطني الحر” صهر العهد النائب جبران باسيل الذي لم يجتمع إلى “الوفد الحريري” وطالبت وسائل الإعلام القريبة منه الحريري بمعاملته على الأقل مثلما عامل جنبلاط و”وقف على خاطره” غير أن ما فات “الصهر المدلل” أنه لا تجوز له مقارنة نفسه بجنبلاط، رغم العلاقة الملتبسة التي كانت بينهما نتيجة “التسوية الرئاسية”، المشؤومة والتي كانت سبباً في معظم الأزمات التي شهدها لبنان منذ وصول عون إلى قصر بعبدا.

لم يستثن جنبلاط “حزب الله” من رسائله الانتقادية ضمن “تنظيم الخلاف” المعقود بينهما، لكنه عندما قارب الواقع “الدرزي” الذي دفع إليه دفعاً، وجد نفسه مدافعاً عن حقوق “الطائفة” لاعباً دوره الطبيعي كزعيم للدروز. وبانت “النوستالجيا” التي يعيشها جنبلاط بوضوح في حديثه، فقال رداً على سؤال “في العهد السوري صرنا حزباً درزياً، وعندما انتهت الحركة الوطنية وقتلوا كمال جنبلاط، وعندما كانت هناك بوادر حرب الجبل. نعم اضطررنا كغيرنا أن نلجأ إلى ذاتنا للدفاع عن أنفسنا”.

يقول جنبلاط “كانت أيام الحلم الأكبر. عشت الحلم الناصري، أين كنا وأين أصبحنا؟ هذا الجو الوطني العريض راح. انهزم عبدالناصر، في العام 1967 كنا مع الفلسطينيين، ومع أبوعمار، أين أصبحنا اليوم؟ لهذا أنا مجبور أن أدافع عن نفسي، لأن هذه الطائفة مهددة من كل حدب وصوب“. وهو يرى أنه “كان هناك جوّ وطني وعربي“، لكنه يضيف ”الآن مع تراجع الجو الوطني العام ستعود النعرات. هذه الفلسفة المميتة المدمرة، فلسفة إيلي الفرزلي المشرقية. يعني أنه ينزع العروبة عن المنطقة وعن المسيحيين والمسلمين. المشرقية تعني تلاقي الأقليات وتحالفها، وهذا أمر كريه. أرفض تحالف الأقليات ونظرية إلغاء العروبة، لذلك أنا ونبيه برّي نلتقي. نحن عرب، نحن كسرنا الحاجز الانعزالي الإسرائيلي، ولكني أرفض نظريتهم، أي نظرية إيران في المنطقة. أرفضها فلسفياً وعقائدياً”.

قيل يوماً إنه أثناء عهد الرئيس الراحل إلياس الهراوي سادت نظرية حكم “الترويكا” في إشارة إلى تفاهم الرؤساء الثلاث الهراوي والحريري وبرّي، وأن رابعهم كان وليد جنبلاط. فلم يكن هناك بدّ من مشاركة الأخير في كل القرارات المهمة التي يجب تمريرها في البلاد لدرجة وصفه بالرئيس الرابع نظراً للنفوذ الذي كان يتمتّع به. وحتى لدى وضع القوانين الانتخابية كان يصار إلى الوقوف على رأي جنبلاط في طريقة رسم الدوائر الانتخابية، ووصل الأمر أن قيل عن القانون الانتخابي الذي وضع في العام 2000 وسمّي بأنه قانون غازي كنعان، بأن هذا القانون صيغ بطريقة تضمن السيطرة المطلقة لجنبلاط على نواب قضاءي الشوف وعالية.

لكن الواقع أن جنبلاط “لاعب” سياسي قلّ نظيره، وكثيرون يعيبون عليه “تقلباته” غير أنه ظلّ على مدى السنوات الأربعين الماضية رقماً صعباً في المعادلة السياسية الداخلية، وقطباً يسعى كثر لخطب ودّه، رغم أن الحقيقة المرّة في لبنان البلد “متعدد” الطوائف، هي أن النظام صادر من طائفة الموحدين الدروز العرب مواقع كانت من حقهم كطائفة مؤسسة للكيان اللبناني، وحرم أبناءها من الوصول إلى مواقع هم جديرون بتبوّئها.

12